للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

عليها استتيب منها، قال أبو عمر: ليس في الاعتقاد [كله] في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد من ذلك كله، أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه (١).

[الباب الثاني]

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥]

قال محمد تقي الدين: يموّه النصارى على الجهال من المسلمين؛ فيقولون لهم: أنتم تدعون أن عيسى لم يمت ولم يقتل وكتابكم يشهد بأنه مات ففي سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وهذا موافق لاعتقاد النصارى، فأقول وبالله التوفيق: هذا التمويه مردود من وجوه:

الأول: إن التوفي لا يدل دائمًا على الموت، قال تعالى في سورة الأنعام: الآية ٦٠. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: يستوفي مدة يقظتكم فتنامون بالليل ثم تستيقظون بالنهار، والله يعلم ما تفعلون بالنهار من خير وشر، بدليل ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقال تعالى في سورة الزمر الآية ٤٢: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فقد أطلق الله تعالى التوفي على التي ماتت وعلى التي لم تمت، وأخبر أنه يرسلها فتستيقظ، وتعيش إلى أن ينقضي أجلها، فمعنى مُتَوَفِّيكَ مستوف مدة إقامتك في الأرض.

الدليل الثاني: هو أن التوفي إذا قدر أنه هنا بمعنى الإماتة؛ فمن المعلوم عند جميع العرب والنحاة أن الواو لمطلق الجمع لا تفيد تعقيبًا ولا ترتيبًا. قال تعالى في سورة الأحزاب الآية ٧: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، الخطاب في ﴿مِنْكَ﴾ لمحمد ، فمن توهم أن الواو تفيد


(١) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>