تعقيبًا يلزمه أن يقول: إن الله أخذ الميثاق من محمد ﷺ قبل أن يأخذه من نوح، وكفى بقول يفضي إلى هذا إسفافًا وبطلانًا.
الدليل الثالث: قوله تعالى سورة النساء الآية ١٥٧: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وسيأتي لهذا المقام زيادة بيان فيما سأنقله بعد إن شاء الله من كتابي «البراهين الإنجيلية»(١).
الدليل الرابع: قال البخاري في صحيحه: (باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ وقال بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٢) ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] وروى بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم». تابعه عقيل والأوزاعي. اهـ (٣).
قال الحافظ في «الفتح»: «قوله: والذي نفسي بيده فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده»(٤).
قال محمد تقي الدين هذا كلام من أنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ الآية، ولو كان معنى التوفي الإماتة، فكيف ينزل في آخر الزمان؟! والله تعالى يقول حكاية عن قول المشركين: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؟ فلو مات عيسى ﵇ قبل رفعه إلى الله تعالى ثم أحيي، ونزل إلى الأرض في آخر الزمان وحكم بشريعة محمد ﷺ مدة إقامته معهم، ثم مات - ولا بد من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]- يكون قد مات ثلاث موتات: موتة قبل أن تنفخ فيه الروح، وموتة قبل رفعه، وموتة ثالثة عند انقضاء أجله، فالذين حكوا أنه مات ثلاث ساعات
(١) انظر منه (ص ٣٩ وما بعد). (٢) كذا في مطبوع صحيح البخاري، وفي الأصل: «الحرب»!! (٣) أخرجه البخاري (٣٤٤٨، ٣٤٤٩). (٤) انظر: «فتح الباري» (٦/ ١٠٠).