قال (ك): «وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوراج وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخويصرة -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله ﷺ: «لقد خبت وخسرت، إن لم أكن أعدل فمن يعدل، أيأمنني من في السماء على أهل الأرض ولا تأمنوني؟». فلما قضي الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية خالد بن الوليد - في قتله فقال:«دعه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم»(١). ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة (٢)، ثم انبعث القدرية ثم المعتزلة ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله:«وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال:«من كان على ما أنا عليه وأصحابي»(٣). أخرجه الحاكم في «مستدركه» بهذه الزيادة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية اختلف العلماء في الوقف على اسم الجلالة: هو الصواب أم الصواب الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ وأكثر علماء السلف يقولون بالوقف على اسم الجلالة، لاعتقادهم أن معنى التأويل هنا ليس التفسير بل حقيقته وما يؤول إليه في نفس الأمر، وهذا لا يعلمه إلا الله، ككيفية استوائه ﷾ على عرشه، وكيفية إتيانه ومجيئه، فليس في طاقة البشر علم ذلك، أما معنى الاستواء وهو العلو فإنه معلوم، وكذلك النزول
= رقم (٧٤)، والآجري في «الشريعة»(ط دار الوطن)، وأبو نصر السجزي في «الإبانة» - كما في «الدر المنثور»(٢/ ٢٩١) - بسندٍ واه مسلسل بالضعفاء، فيه علي بن قدامة، لين، ومجاشع بن عمرو متهم، وميسرة بن عبد ربه، مثله، بل أسوأ منه حالًا!
(١) أخرجه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) انظر عنهم - قديمًا وحديثًا - كتابي: «العراق في أحاديث وآثار الفتن» وهو مطبوع، والله الحمد. (٣) سبق تخريجه.