ترافق هو وشيخ الإسلام ابن تيمية في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرّر طريقة السلف في السنّة، ويعضد ذلك بمباحث نظريّة وقواعد كلامية، وكان له عمل كثير في المعقول (١)، وما وراء ذلك بحمد الله إلا حسن إسلام وخشية لله، وصحب في وقت العفيف التلمساني (٢)، فلما تبيّن له انحلاله واتحاده تبرأ منه وحطّ، وكان ذا مروءة وسماحة، وتقنع باليسير، باذلا لكتبه وفوائده ونفسه، كثير المحاسن، ولقد آذاه أبو الحسن ابن العطار (٣) وسبّه فما تكلم فيه ولا فيمن آذاه، وقرأ بدمشق مرة تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب (٤)، فوثب عليه جماعة من الروم الحنفية، ورفعوه إلى قاضي القضاة، حسام الدين الرازي (٥)، وهو إذ ذاك حاكم بدمشق فتلطف الحاكم المذكور مع الفقهاء الحنفية المذكورين، ووعدهم ومنّاهم وعفا عنه، ومنعه بالحسنى منهم
(١) تولى المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية ثلاثا وعشرين سنة ونصفا، قال ابن تيمية لما باشرها: لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه، لقول الواقف: فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية. انظر شذرات الذهب ٦/ ١٣٦. (٢) العفيف التلمساني: هو سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الأديب الشاعر، المعروف بالعفيف التلمساني كومي الأصل من قبيلة كومة، سكن دمشق، كان يتصوف، ويتبع طريقة ابن عربي في أقواله وأفعاله. له ديوان شعر، شرح الفصوص لابن عربي، ومواقف النفزي، توفي في دمشق سنة ٦٩٠ هـ، انظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/ ٤١٢، وفوات الوفيات ٢/ ٧٢، والأعلام ٣/ ١٩٣. (٣) أبو الحسن بن العطار هو: علي بن إبراهيم أبو الحسن علاء الدين ابن العطار، تأتي ترجمته ص ٦٩٠. (٤) أبو بكر الخطيب: ترجم له المصنف برقم ١٠٢ ص ٥٠٩. (٥) حسام الدين الرازي هو: الحسن بن أحمد بن أبي شروان الرازي، قاضي القضاة، وقع في أسر التتار وأعدموه بعد الوقعة، كان ذلك سنة تسع وتسعين وستمائة. وكان في السبعين من عمره انظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/ ٤٤٦.