ولا يعجبها منه الجدّ إلاّ إذا كان الهزل أوّله، ولقد مدح بعضهم بقصيدة لطيفة يذوب غزلها وينوب عن لمى الشّفاه قبلها وعن ثغور الغيد المنظّمة مقبّلها. فلم يهشّ له الممدوح ولا جرى للبشاشة في قبولها روح، واستدعى المدح منه على طريقته المعهودة منه سلوكها المنضود به في ترائب اللّهو سلوكها، فلمّا أتى بها على منهجه قبلت وكثّرت وما قلّلت، فكان بعد هذا مقبلا على شأنه في هذا الأسلوب قائلا منه ما يأخذ بمجامع القلوب، على أنّ المجمع عليه أنّه كان على طريق حميدة من العفاف وسبيل ما طار به قزعة مع الخفاف، وإنّما كان يقول هذا تظرّفا يهصر جنّاته الألفاف وتلطّفا لا يطرأ على ورقاته الجفاف (١).
وقد قال عند موته لابنته، وقد هبب الهواء ثوبه عن سوءته: يا بنيّة غطّي سوءة ما عصت اللّه قط. وكان مقبوضا حتى غطّته فانبسط لكنّه كان رافضيا لا يسلم منه مذهبه، ولا يعلم منه في طرز الشعر ما ساء به مذهبه، وقد قيل إنّه رئي في النوم بعد موته فقيل له:
ما فعل الله بك؟ فقال:[من الرجز]
أفسد حسن مذهبي … في الشعر سوء مذهبي
وحملي الجدّ على … ظهر حصان اللّعب
لم يرض مولاي على … سبيّ لأصحاب النّبي
فلم ينكر أديب من أهل عصره أنّها شعره، وشبيهة بشعره (٢).
٢٦٤ وقد نقل أنّه أوصى أن/ يدفن عند رجلي موسى بن جعفر ﵉،
(١) ينظر الامتاع والمؤانسة، ١/ ١٣٧، مقابلة ابن الحجاج مع ذي الكفايتين إذ يقول الثاني له: (لقد كنت أفلي ديوانك فأتمنى لقاءك وأقول: من صاحب هذا الكلام أطيش طائش وأخفّ خفيف … حتى شاهدتك فتهالكت على وقارك، وسكون أطرافك، وسكوت لفظك، وتناسب حركاتك، وفرط حيائك، وناضر ماء وجهك … وإنكّ لمن عجائب خلق الله). وهذا ينضوي تحت ما قلناه سابقا. (٢) ينظر وفيات الأعيان، ٢/ ١٧١، ومعاهد التنصيص، ٣/ ٢٠٠، وفيه: (قال هبة الله بن الدباس: أنشدنا ابن الخازن هذه الأبيات بمحضر جماعة من أهل الأدب، فقالوا: والله إنّها لنفس ابن حجاج، وكتبوها عنه).