للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السلطان وبعض العسكر، ولم يشعر إلا الفرنج قد طلعت عليه، فقاتلهم أشد القتال، وكان لتقي الدين بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه أحمد من أحسن الشباب. أول ما تكاملت لحيته، فقال له أبوه تقي الدين احمل على الفرنج وقاتلهم، فأثر فيهم أثرًا جميلًا وعاد سالمًا، فأمره أبوه بالعود فقتل رجلًا من الإفرنج وقتل شهيدًا، وتمت الهزيمة على المسلمين، وقاربت حملات الفرنج السلطان فولى منهزمًا إلى مصر، على البرية ومعه من سلم، ولقوا في طريقهم مشقة العطش، وهلك كثير من الدواب، وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا تفرقوا للإغارة وأسر الفقيه عيسى (١). وكان من أكبر أصحاب السلطان فافتداه السلطان من الأسر بعد سنتين بستين ألف دينار، ووَصَلَ السلطان إلى القاهرة. قال الأمير (٢): رأيت كتابًا بخط صلاح الدين إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق، فذكر له الموقعة وأوله (٣): [الطويل]

ذِكْرتُكَ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيننا … وقَدْ نَهَلَتْ منّا المُثَقَّفَةُ السُمْرُ

ويقول فيه لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا الله تعالى منه إلا لأمر يريده .

«وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر»

وفيها: سار (٤) الفرنج وحصروا مدينة حماة في جمادى الأولى وطمعت الفرنج بسبب بعد صلاح الدين بمصر وهزيمته من الفرنج، ولم يكن غير توران شاه بدمشق ينوب عن أخيه صلاح الدين، وليس عنده كثير من العسكر، وكان توران شاه أيضًا كثير الانهماك في اللذات، مائلًا إلى الراحات ولما حصروا حماة كان بها صاحبها شهاب الدين الحارمي. خال صلاح الدين وهو مريض، واشتد حصار الفرنج لحماة وطال زحفهم عليها، حتى أنهم هجموا بعض أطراف المدينة (٥). وكادوا يملكون البلد قهرًا بالسيف، ثم جدّ المسلمون في القتال، وأخرجوا الفرنج إلى ظاهر السور، وأقام الفرنج كذلك على حماة أربعة أيام، ثم رحلوا عنها إلى حارم. وعقيب رحيلهم مات صاحبها


(١) عيسى الهكاري، كما في الكامل والشفاء، وفيهما: وأخوه الظهير.
(٢) الكامل ٩/ ١٤٢ نقلًا عن المختصر ٣/ ٦٠.
(٣) البيت لأبي العطاء السندي: الزهرة ٢٠٠.
(٤) المختصر ٣/ ٦٠ والخبر أيضًا في الكامل ٩/ ١٤٢ وشفاء القلوب ص ٩٤ والشذرات ٤/ ٢٤٤ والبرق الشامي ٣/ ٥٢.
(٥) كذا في الأصل وكذلك في المختصر، وفي الكامل الذي ينقل عند أبو الفداء: وهجموا بعض الأيام على طرف منه.

<<  <  ج: ص:  >  >>