وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جدًا، ولعلها النار التي ذكرها رسول الله ﷺ من علامات الساعة، فقال: نار تظهر بالحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى، ثم اتفق أن الخدام بحرم النبي ﷺ وقع منهم في بعض الليالي تفريط، فاشتعلت النار في المسجد الشريف، فاحترقت سقوفه ومنبر النبي ﷺ، وتألم الناس لذلك.
وفي (١) سنة ست وخمسين:
كان استيلاء التتر على بغداد وانقراض الدولة العباسية. وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضيًا، وكان أهل الكرخ روافض، فجرت فتنة بين السنة والرافضة فأمر أبو بكر بن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء وركبوا منهنّ الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد (٢)، وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتر إقطاعاتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس.
وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه يطلبهم، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم وفي مقدمتهم ركن الدين الدوادار والتقوا على مرحلتين من بغداد. واقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عسكر الخليفة ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هؤلاء على بغداد من الجانب الشرقي، نزل باجو وهو مقدم كبير بالجانب الغربي قبالة دار الخليفة، وخرج مؤيد الدين بن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة وقال: إن هولاكو يبقيك بدار الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته بابنك أبي بكر، وحسن له الخروج إلى هولاكو، فخرج المستعصم في جمع من أكابر أصحابه، فأنزل في خيمة ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل. فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون. وكان منهم:
(١) المختصر ٣/ ١٩٣ وانظر خبر استيلاء التتر على بغداد في تاريخ مختصر الدول ص ٤٧٣ وعيون التواريخ ٢٠/ ١٢٩ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٠٠ والحوادث الجامعة ٣٢٨ والنجوم الزاهرة ٧/ ٤٧ والفخري ص ٢٦١ والشذرات ٥/ ٢٧٠ وتاريخ الخلفاء ص ٤٧١ والعسجد المسبوك ص ٦٣ و تاريخ مختصر الدول ص ٤٧٣. (٢) اختلف المؤرخون في شأن مؤيد الدين بن العلقمي وموقفه من خلافة بغداد والتتر، وهناك اتجاه لدى المؤرخين القدماء وأكدته الدراسات الحديثة أن المذكور افتري عليه، ولأمر ما دأب المؤرخون وغيرهم قديمًا وحديثًا عن تأكيد خيانته في حين سكتوا عن آخرين من أرباب الدول الإسلامية شاركوا هولاكو في حصار بغداد وغيرها من الحواضر الإسلامية.