جمادى الآخرة، ثم بث السلطان عسكره ففتحوا الرملة والدارون (١) وغزّة وبيت لحم (٢) والنطرون (٣) وغير ذلك.
ثم سار السلطان ونازل القدس، وبه من النصارى عدد يفوق الحصر، وضايق السلطان السور (٤) بالنقابين، واشتد القتال بينهم، وغلقوا السور، فطلب الإفرنج الأمان فلم يجيبهم السلطان إليه، وقال: لا آخذها إلا بالسيف، مثل ما أخذها الفرنج من المسلين فعاودوه بالأمان وعرفوه ماهم عليه من الكثرة، وأنهم أن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك، فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة ومن الطفل دينارين، ومن عجز عن الأداء كان أسيرًا، فأجيب إلى ذلك وسلّمت إليه المدينة يوم الجمعة سابع وعشرين رجب، وكان يومًا مشهودًا.
ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور، فخان المرتبون في ذلك ولم يقبضوا (٥) منه إلا القليل، وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب، فتسلّق المسلمون، وقلعوه، وسمع بذلك ضجة عظيمة لم يُعهد مثلها المسلمين من الفرح والسرور، ومن الكفار التفجع والتوجع وكان الفرنج قد عملوا في الجامع الأقصى مستراحًا (٦)، فأمر السلطان إزالة ذلك وإعادة الجامع على ما كان عليه، وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبرًا بحلب وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس، فأرسل صلاح الدين، أحضره من حلب وجعله في الجامع الأقصى، وأقام السلطان بعد فتوح القدس بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يدبر أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس للشافعية، ثم رحل إلى عكا، ومنها إلى صور، وصاحبها المركيس قد حصنها بالرجال وحفر خنادقها ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان، وحاصرها وضايقها، وطلب الأصطول فوصل إليه في عشرة شوان (٧) فاتفق أن الفرنج كبسوهم وأخذوا خمسة شوان
(١) في المختصر: الداروم، وهي تلفظ بالميم والنون، وهي بلدة بعد غزة للقاصد إلى مصر (معجم البلدان - الداروم). (٢) بيت جبريل: اسم موضع يقرب القدس فيه قبر الخليل إبراهيم ﵇ (معجم البلدان - بيت جبريل). (٣) النطرون: موضع قرب دمشق (معجم البلدان - النطرون). (٤) الأصل: الصور. (٥) في المختصر: (يحملوا). (٦) في الأصل والمختصر: هربًا ومستراحًا، ولم أفهم المقصود، وفي الكامل وشفاء القلوب: وكانوا قد عملوا في غربي الأقصى مستراحًا. (٧) مفردها شيني، وهو سفينة حربية كبيرة، تقام فيها الأبراج والقلاع، وكانت تنزلق على الماء بمساعدة مائة وأربعين مجدافًا.