ومات الملك الصالح ولم يوص بالملك إلى أحد، فلما توفي أحضرت شجرة الدر (٢)، جاريته فخر الدين بن الشيخ والطواشي جمال الدين محسنًا، وعرفتهما بموت السلطان، فكتموا ذلك خوفًا من الفرنج، وجمعت شجر الدر الأمراء وقالت لهم: السلطان يأمركم أن تحلفوا له، ثم من بعده لولده الملك المعظم توران شاه المقيم بحصن كيفا، وللأمير فخر الدين «بن» الشيخ بأتابكية العسكر، وكتبت إلى حسام الدين بن أبي علي، وهو النائب بمصر بمثل ذلك، فحلفت الأمراء والأجناد بالعسكر بمصر والقاهرة على ذلك في العشر الأوسط من شعبان هذه السنة، وكان بعد ذلك تخرج الكتب والمراسيم وعليها علامة الملك الصالح، وكان يكتبها خادم يقال له السهيلي، فلا يشك أحد في أنه خط السلطان.
وأرسل فخر الدين بن الشيخ قاصدًا لإحضار الملك المعظم من حصن كيفا، ولما جرى ذلك شاع بين الناس موت السلطان، وكان أرباب الدولة لا يجسروا أن يتفوّهوا به، وتقدم الفرنج عن دمياط للمنصورة، وجرى بينهم وبين المسلمين في رمضان هذه السنة وقعة عظيمة استشهد فيها من كبار المسلمين (٣)، ونزلت الفرنج بحر مساح (٤)، ثم قربوا من المسلمين، ثم إن الفرنج كبسوا المسلمين على المنصورة بكرة الثلاثاء لخمس مضين من ذي القعدة.
وكان فخر الدين يوسف بن الشيخ صدر الدين بن حموية (٥) بالحمام (٦) في
(١) الملك المعظم، توران شاه بن أيوب، غياث الدين، ولي بعد أبيه فَبَدَت منه أمور نفرت منه القلوب، منها أنه كان فيه خفة وطيش وسوء تدبير وانهماك بالملذات واللهو فقتله غلمان أبيه سنة ٦٤٨ هـ. انظر: مرآة الزمان ٨/ ٥٨١ وذيل الروضتين ص ٨٥ وفوات الوفيات ١/ ٢٦٣ والبداية ١٣/ ١٨٠ والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٦٤ والشذرات ٥/ ٢٤١ وعيون التواريخ ٤٠/ ٢٢٠ و ٤٣. (٢) شجرة الدر، أم خليل الصالحية، وجارية السلطان نجم الدين أيوب، وأم ولده خليل. كانت في صحبته وهو في الشرق أيام أبيه الملك الكامل، ثم رافقته لما حبس بالكرك، ثم قدمت معه إلى مصر، وكان السلطان نجم الدين يعتمد عليها في مهماته. وكانت ذا رأي ودهاء وتدبير، أخفت موت زوجها حتى أحكمت الأمر لابن زوجها توران شاه، إلا أنه لم يحمد لها ذلك، فكان يتهددها ويطالبها بالأموال، فلما قتل توران شاه سلطنها الأمراء على مصر وخطب لها على المنابر عدة ثلاثة أشهر حيث استقر زوجها أيبك التركماني. انظر: النجوم الزاهرة ٦/ ٣٧٣. (٣) في الأصل: فيها كبار من المسلمين، والتصويب عن المختصر. (٤) في الأصل: سر مساح، والتصويب عن المختصر. (٥) في الأصل: يرجمونه، وهو تصحيف، والتصويب عن المختصر. (٦) في عيون التواريخ ٢٠/ ٣١ ومرآة الزمان ٨/ ٧٧٥: في الدهليز.