ـيلتفت المنصور إلى ذلك وردَّه ردًَّا قبيحًا، فاغتاظ البرلي، ونزل على حماه، وأحرق زرع بيدر العشر، وسار إلى شيزر، ثم إلى جهة حلب وكان أيدكين البندقدار لما استقر بدمشق قد جهز عسكرًا مع فخر الدين الحمصي للكشف عن البيرة، فإن التتر كانوا قد نازلوها، فلما قدم البرلي إلى حلب كان بها فخر الدين الحمصي المذكور، فقال البرلي: نحن في طاعة الظاهر (١) من غير أن يكلفنا وطيء بساطه، فسار الحمصي إلى مصر ليؤدي هذه الرسالة، فلما سار إلى مصر وخرج عن حلب تمكن البرلي في حلب واحتاط على ما بها من الحواصل، واستبد بالأمر، وجمع العرب والتركمان، واستعد لقتال عسكر مصر، ولما توجه الحمصي لذلك التقى في الرمل جمال الدين المحمدي الصالحي متوجهًا بمن معه من عسكر مصر لقتال البرلي فأرسل الحمصي عرَّف الظاهر برسالة البرلي، فأرسل الظاهر ينكر على فخر الدين الحمصي، ويأمره بالانضمام إلى المحمدي والمسير لقتال البرلي، فعاد من وقته، ثم رضي الظاهر عن علم الدين سنجر الحلبي وجهزه وراء المحمدي في جمع من العسكر، ثم أردفه بعز الدين الدمياطي في جمع آخر، وسار الجميع إلى جهة حلب وطردوه عنها، وانقضت السنة والأمر على ذلك.
وفي هذه السنة (٢): لما بلغ هولاكو كسرة عسكره على عين جالوت ثم كسرته ثانيًا على حمص، غضب من ذلك، وأحضر الناصر يوسف، وأخاه الظاهر غازي، وقال: أنت قلت ان عسكر الشام في طاعتك، فغرَّرْت بي، وقتلت المغل. فقال الناصر: لو كنت في الشام ما ضرب أحد في وجه عسكرك بسيف ومن يكون ببلاد تورز (٣) كيف يحكم على بلاد الشام. فاستوفى هولاكو ناصحًا (٤) ورماه به، فقال الناصر: يا خوند الصنيعة. فنهاه أخوه الظاهر غازي وقال: قد حضرت، ثم رماه بآخر فقتله (٥). وأمر بضرب رقاب الباقين، فقتل الظاهر أخو الناصر والصالح بن صاحب حمص، والجماعة الذين كانوا معهم واستبقوا العزيز بن الناصر لصغره، فبقي
(١) بعده في المختصر ص ٢١١: فتمضي إلى السلطان وتسأله أن يتركني ومن في صحبتي مقيمين بهذا الطرف، ونكون تحت طاعته. (٢) المختصر ٣/ ٢١١ تحت عنوان: (ذكر مقتل الملك الناصر) والخبر عن المختصر أيضًا في شفاء القلوب ص ٤١٩ والشذرات ٥/ ٢٩٩ وتاريخ مختصر الدول ص ٤٩٠ وعيون التواريخ ٢٠/ ٢٥٧ والنجوم الزاهرة/ ٢٠٣ والعبر للذهبي ٥/ ٢٥٦. (٣) وكذلك رسمت في المختصر، وتكتب تبريز، وهي من أشهر مدن أذربيجان (نب ١/ ١٣). (٤) في شفاء القلوب: فضربه هولاكو بفردة نشاب … ثم رماه بفردة ثانية فقتله. (٥) انظر روايات أخرى مغايرة عن قتله في تاريخ مختصر الدول ص ٤٩٠ وعيون التواريخ ٢٠/ ٢٥٧.