رجل جليل القدر، فأراد الظاهر أن يصرف التأويل إلى غيره، فاستدعى بشخص من أولاد الملوك الأيوبية يقال له الملك القاهر من أولاد الناصر داود بن المعظم عيسى.
وأحضر قمزًا مسمومًا، وأمر السقاة بسقي الملك القاهر المذكور، وشرب الظاهر ناسيًا بذلك (الهناب)(١) على أثر شرب القاهر، فخاف القاهر عقيب ذلك، وأما الظاهر فحصلت له حمّى محرقة، وتوفي وكتم مملوكه ونائبه بدر الدين بيليك (٢) المعروف بالخزندار موته، وصبره وتركه بقلعة دمشق إلى أن استوت تربته بدمشق فدفن فيها، وارتحل بدر الدين بيليك بالعساكر ومعهم المحفّة، مظهرًا أن الظاهر فيها، وأنه مريض، وكان الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة ولقبه الملك السعيد، وجعله ولي عهده. فوصل بيليك الخزندار بالعساكر والخزائن إلى الملك السعيد بقلعة الجبل وعند ذلك أظهر موت الظاهر، وجلس ابنه الملك السعيد للعزاء. واستقر في السلطنة. ومدة ملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وتوفي في سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين، وكان ملكًا جليلًا شجاعًا عاقلًا، مهيبًا، ملك الديار المصرية بالشام وأرسل جيشًا فاستولوا على النوبة، وفتح الفتوحات الجليلة، مثل صفد وحصن الأكراد وإنطاكية وغيرها، وأصله مملوك، قفجاقي الجنس، سمعت (٣) أنه من برجعلي، وكان أسمرًا أزرق العينين جهوري الصوت، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر إلى حماه فاستحضرهما المنصور محمد صاحب حماه، ليشتريهما، فلم يعجبه واحد منهما. وكان أيدكين البندقدار مملوك الصالح أيوب صاحب مصر قد غضب عليه الصالح أيوب. فتوجه أيدكين إلى جهة حماه، فأرسل الصالح، وقبض عليه واعتقله بقلعة حماه، فتركه المنصور صاحب حماه في جامع قلعة حماه، واتفق عند ذلك حضور الظاهر صحبة التاجر، فلما قلبه المنصور ولم يشتره أرسل أيدكين الصالحي وهو معتقل فاشتراه، وبقي عنده، وأرسل الصالح، وأفرج عن أيدكين (فسار)(٤) من حماه وصحبته مملوكه الظاهر وبقي مع أستاذه البندقدار مدَّة. ثم أخذه الصالح من البندقدار، فانتسب الظاهر إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له وينقش على الدرهم والدينار
(١) الأصل: العناب، والمختصر: الهناء والتصويب عن عيون التواريخ ٢١/ ١٥٤. (٢) في الأصل: تتليك، والتصويب عن النجوم الزاهرة ٧/ ٢٧٧. (٣) الكلام لصاحب المختصر ٤/ ١٠. (٤) التكملة عن المختصر.