الحجارون النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق كبارًا وصغارًا، ولما تمكنت النقوب من أسوار (١) القلعة طلب أهلها الأمان فأجابهم السلطان إلى ذلك رغبة في إبقاء عمارته، فإنه لو هدمه وأخذه بالسيف كان حصل التعب في عمارته، فأعطاهم الأمان على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله غير السلاح، وصعدت السناجق السلطانية (٢) على حصن المرقب المذكور، وتسلّمه في الساعة الثامنة من يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين، وكان يومًا مشهودًا أخذ فيه الثأر من بيت الاسبتار، ومميت آية الليل بآية النهار.
ومن كتاب كتبه شيخنا أبو الثناء (٣) في فتح المرقب:
وقد علم المجلس أمر هذا الحصن، فإنه طالما (٤) شحت الأحلام أن تخيله (٥) لمن سلف من الملوك في المنام، فكم قصده ذو جنود ماه الفرق، وما بلله دونه الغمام، فلولا سرعة عودِهِ أَدركه الغرق. قد سما في السماء بمناكبه ونازع فلك علوي الرياح ولا يخاف الجناح في العجز ما لدى على الغمام، ولفح مثل السهام، فكان بها مثل الحنون، فأصبحت وهن جثث القتلى عليها تمام وصبت عليها المجانيق أبعد من أمسها وأسد العدى، فأعلمتهم أنها لا تطيق الدفاع عن غيرها فكيف عن نفسها، وبسطت أكفها إمارة على الإذعان. ورفعت أصابعها إما إجابة إلى التشهد، وإما إنابة إلى طلب الأمان، فخاف الفرنج من ظفر هذا الاستظهار، وعلموا أن المجانيق المنصورة فحول تثبت لها الإناث التي بأيديهم، فاستعانوا عليهن مع العدى لطول الخدار، فجعل كمن يكون الأراقم وساسان الضراغم، هذا إلى ( … ). ومذ دبّت في هذا الحصن دبيب السقام، وتمشت في مفاصله كما يتمشى في مفاصل شاربها المدام، وحسد طالعه نارًا
(١) الأصل: أساور. (٢) في الأصل: السناجق الصناجق، التصويب عن المختصر، والسناجق مفردها سنجق: اللواء (بالفارسية). (٣) هو محمود بن سليمان بن فهد الحلبي، شهاب الدين أبو الثناء، شاعر من الكتاب المترسلين، ولد بحلب سنة ٦٤٤ عمل في دواوين الإنشاء في دمشق ومصر نحو خمسين سنة. وتوفي بدمشق سنة ٧٢٥ هـ، له مصنفات طبع منها (أهنى المنائح في أسنى المدائح) و (حسن التوسل إلى صناعة الترسل) وشعره كثير وكذلك رسائله، انظر: الأعلام ٦/ ١٧٢ وفوات الوفيات ٢/ ٢٨٦ والبداية والنهاية ١٤/ ١٢٠ والشذرات ٦/ ٦٩ والوافي بالوفيات ٢٥/ ٣٠١، ورد بعض الرسالة في حسن التوسل ص ٣٤٩، ولم ترد في المختصر. (٤) الأصل: طالت. (٥) كذا وفي حسن الترسل: إن تخيل فتحه.