قال محمد تقي الدين: إن المتناظرين في معاني آيات الكتاب العزيز يغفلون عن حقيقة لو انتبهوا لها لتركوا كثيرًا من جدالهم، وهذه الحقيقة هي أن الله سبحانه لو كتب القرآن في كتاب وألقاه إلينا بلا رسول؛ لأمكن أن تختلف الفهوم فيما تدل عليه آياته حين يتوهم التعارض في آيتين مثلًا، كآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وآية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ولكن الله أنزل هذا القرآن على رجل من البشر، وأمره أن يبينه لنا، فقال تعالى في سورة النحل الآية ٤٤: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فجاءنا النبي ﷺ بهذا القرآن ومثله معه (١) من وحي السنة، وبقي معنا ثلاثًا وعشرين سنة، نسأله ويجيبنا، ويبين لنا بأقواله وأفعاله مسائل الاعتقاد ومسائل العبادة ومسائل المعاملات ومسائل الأخلاق، فإذا توهم متوهم تعارض آيتين كالآيتين المتقدم ذكرهما، ثم جاءت السنة ووضحت لنا المعنى الذي يريده ربنا سبحانه كل التوضيح لم يبق مجال للجدال، ولكن المصيبة كل المصيبة هي أن قومًا قرؤوا القرآن ودرسوا علوم العربية وأهملوا السنة، فالتبس عليهم الأمر، وأخذوا يضربون القرآن بعضه ببعض، فمسألة الرؤية وضحها النبي ﷺ كل التوضيح، فلم يبق فيها إلا الإيمان أو التكذيب، ومن زعم أنه يؤمن بالقرآن ويرفض السنة فهو كاذب زندق، فأين في القرآن تفصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج والمعاملات والحدود وسائر مسائل الشريعة؟
فأكثر الخلاف سببه الجهل بالسنة، إما جهلًا تامًا، كجهل الخوارج والمعتزلة ومتأخري الأشعرية وجهلة المتصوفة، وإما أن يكون العالم من السلف مُقِلًا في الحديث؛ لأنه لم يجمع بحذافيره إلا بعد زمانه، أو لم يرحل في طلبه، واقتصر على ما سمعه من أهل بلده، أو كان ضعيف الحفظ، ولكن هؤلاء المقلدين من أئمة أهل السنة كلهم صرحوا وأعلنوا أن الحديث إذا صح بخلاف ما أفتوا به فإنهم راجعون عنه، وقائلون بالحديث الصحيح، قال الإمام الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى الشرقي في «شرحه لنونية ابن القيم»(الجزء الثاني)(٥٦٧): (فصل: في رؤية أهل الجنة ربهم ونظرهم إلى وجهه الكريم):