لفساد عقولهم، فإنهم يقيسون الله تعالى على أنفسهم، ويزعمون أن الفوقية تستلزم الجهة وأن الجهة تستلزم التحيز، وفي ذلك تشبيه الله بخلقه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧٤) وسيأتي من الرد عليهم في سورة الأعراف - إن شاء الله - ما يدحض باطلهم، ويفضح ترهاتهم، وبالله التوفيق.
قال (ك): فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها: لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير طريق ثابت في «الصحاح» و «المسانيد» و «السنن» كما قال مسروق: عن عائشة أنها قالت: «من زعم أن محمدًا ﷺ أبصر ربه فقد كذب - وفي رواية: على الله - فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾» رواه ابن أبي حاتم (١)، وثبت في «الصحيح» وغيره عن عائشة من غير وجه (٢).
عن يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن عُليَّة يقول في قول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: هذا في الدنيا، وذكر هشام بن عبد الله (٣) أنه قال نحو ذلك (٤).
وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية، إنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٦٢)، وابن جرير (٩/ ٤٦٢) كلاهما في «التفسير»، والترمذي (٣٠٦٨)، وإسحاق في مسنده (٣/ ٨٠٣)، والدارمي في «نقض الإمام عثمان بن سعيد» (٢/ ٧٦١) وأصل الحديث في «الصحيحين» أخرجه البخاري (٣٢٣٤)، ومسلم (١٧٧) دون ذكر الآية. (٢) انظر تخريج الحديث السابق. (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عبيد الله». (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ١٣٦٣) وزاد السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ١٦٣) نسبته لأبي الشيخ.