وفي قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] أنه كامل العدل. وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أنه كامل القيومية. فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يدخل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يُدرك بحيث يُحاط به.
فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] فلم ينف موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، إنا المرئيون، فإن موسى صلوات الله وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم، بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا (١) إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يُعلم ولا يُحاط به.
وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية. قال ابن عباس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار (٢). وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار (٣). وقال عطية (٤): ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣](٥) فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عيانًا ولا تدركه أبصارهم، بمعنى أنه لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله ﷿ بأن شيئًا يحيط به وهو بكل شيء محيط، وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه (٦). ونظير هذا: استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
(١) في الأصل: «أوصينا»! (٢) أخرجه ابن جرير (٩/ ٤٥٩) بإسناد مسلسل بالضعفاء. (٣) أخرجه ابن جرير (٩/ ٤٥٩) وعبد بن حميد وأبو الشيخ، كما في «الدر المنثور» (٣/ ٣٧). (٤) هو عطية العوفي. (٥) انظر: تفسير ابن جرير (٩/ ٤٥٩ - ٤٦٠). (٦) انظر: «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (١٠٥ - ١٠٦) للعلامة الشنقيطي.