قال محمد تقي الدين: أخبر الله ﷾ مؤكدًا بالقسم وغيره من المؤكدات أن محمدًا ﷺ من المرسلين وأنه على صراط مستقيم، كل من اتبعه سعد، وكل من خرج عنه شقي. وأخبر سبحانه أنه أنزل هذا القرآن على رسوله لينذر به أهل الأرض، كلهم عامة والعرب خاصة، إذ لم يرسل إليهم نذير من قبله، ولا كان عندهم كتاب يرجعون إليه، ولا سنّة نبي يتمسكون بها، فهم لذلك في غاية الغفلة والجهالة والظلمة، ولما كذبوا الرسول وكفروا بما أنزل إليهم من ربهم وجحدوه ظلمًا وعلوًا، حقت عليهم كلمة الله وسدت عليهم أبواب الهداية، وتحتم عذابهم وشقاؤهم، وحيل بينهم وبين الإيمان بسبب إعراضهم وطغيانهم، ثم أخبر ﷾ أن الذين ينتفعون بالإنذار هم الذين يستمعون القرآن ويتبعونه ويمنعهم خوف الله تعالى من مخالفة القرآن والرسول ﷺ، فأولئك بشرهم الله بمغفرة ذنوبهم وبالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وصدق الله وعده فانتصروا على أعدائهم واستولوا على مشارق الأرض ومغاربها، وأذعنت لهم أمم الأرض وشعوبها ومضوا على ذلك قرونًا طوالًا حتى نبذوا القرآن والسنّة، فسلبهم الله ما وهبهم وجعلهم عبرة لأولي الأبصار. ولا يزال باب التوبة مفتوحًا أمامهم لو رجعوا إلى رشدهم وأنابوا إلى ربهم، ولما كان التقليد والتعصب والتفرق والتمذهب واتباع الطرائق القدد والأحزاب البدد والقوميات والوطنيات والأهواء والعادات من أعظم أسباب شقائهم التي سدّت عنهم أبواب الخير، وفتحت لهم أبواب الشقاء، عزمت في هذا القسم من «سبيل الرشاد» أن أبذل كل جهد في التحذير من هذه الطرق المعوجة وأنقل كلام الأئمة مصحوبًا بالحُجَّة.
وسبق آنفًا (١) إيراد كلام للهلالي أنه نوى أن يجعل كتابه على أربعة أقسام، كل قسم في أنواع التوحيد الثلاثة، ثم توحيد الاتباع، إلا أنه صرح في تقديمه للكتاب أنه دمج توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية في نوع واحد، فلنسمع إليه وهو يقول
«يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الكبير المتعالي محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي - عفا الله عنه ووفقه للعمل الصالح المتوالي -: خطر ببالي منذ مدة أن أؤلف كتابًا لنفسي ولمن شاء الله بعدي، أشرح فيه أنواع التوحيد