قال محمد تقي الدين: وهذا أيضًا يدل بوضوح على أن الدعاء للميت مشروع ونافع له. وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم (١). وقد أجمع المسلمون على الصلاة على الجنازة، وفيها الدعاء للميت ولغيره من الأحياء والأموات، وأما انتفاع الميت بالصدقة فعن عائشة أن رجلًا قال للنبي ﷺ:«إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»» (٢) متفق عليه، وكذلك ينتفع الميت بالحج عنه إذا وقع من قريب له. فقد روى الجماعة - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس:«أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء»(٣)»، وعن ابن عباس:«إن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: «من شبرمة»؟ قال: أخ لي أو قريب لي قال: حججت عن نفسك» قال: لا، قال:«حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»(٤). وأما حج البعيد بأجرة أو بغيرها فلم يرد فيه شيء عن النبي ﷺ فيما نعلم، ولذلك نعتبره غير جائز، ولا يجوز لأحد أن يثبته بالقياس؛ لأن القياس لا يدخل في العبادات؛ لأنها توقيفية محدودة وقد بلغها النبي ﷺ، فلا يجوز لنا أن نزيد فيها شيئًا.
أما الصوم عن الميت، فقد وردت فيه أحاديث، أذكر بعضها هنا؛ الأول:
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يُقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (٩٧٥) من حديث بريدة. (٢) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب ما يُستحبُّ لمن يُتوفّى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذور عن الميت (٢٧٦٠)، ومسلم كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه (١٠٠٤) من حديث عائشة هنا. (٣) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج والنذور عن الميت والرجُلُ يَحُجُ عن المرأة (١٨٥٢) من حديث المرأة الجهنية. وبنحوه عند مسلم كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (١١٤٧). (٤) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن الجارود (٤٩٩)، وابن حبان (٩٦٢)، والدارقطني (٢٧٦)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦)، والطبراني في «المعجم الكبير»، والضياء في «المختارة»، والحديث صحيح.