طَهِّرْ بِهِ قَلْبِي، وَصَفٌ سَرِيرَتِي … أَجْمِلْ بِهِ ذِكْرِي، وَأَعْلِ مَكَانِي
وَاقْطَعْ بِهِ طَمَعِي، وَشَرِّفْ هِمَّتِي … كَثُرْ بِهِ وَرَعِي وَأَحْيِ جَنَانِي
أَسْهِرْ بِهِ لَيْلِي، وَأَظْمِ جَوَارِحِي … أَسْبِلْ بِفَيْضِ دُمُوعِهَا أَجْفَانِي
أَمْزُجْهُ يَا رَبِّي بِلَحْمِي مَعْ دَمِي … وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي مِنَ الأَضْغَانِ
أَنْتَ الَّذِي صَوَّرْتَنِي، وَخَلَقْتَنِي … وَهَدَيْتَنِي لِشَرَائِعِ الإِيمَانِ
أَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي، وَرَحِمْتَنِي … وَجَعَلْتَ صَدْرِي وَاعِيَ القُرْآنِ
أَنْتَ الَّذِي أَطْعَمْتَنِي، وَسَقَيْتَنِي … مَنْ غَيْرِ كَسْبِ يَدٍ وَلَا دُكَّانِ
وَجَبَرْتَنِي، وَسَتَرْتَنِي، وَنَصْرَتَنِي … وَغَمَرْتَنِي بِالفَضْلِ وَالإِحْسَانِ
أَنْتَ الَّذِي آوَيْتَنِي، وَحَبَوْتَنِي … وَهَدَيْتَنِي مِنْ حِيرَةِ الخِذْلَانِ
وَزَرَعْتَ لِي بَيْنَ القُلُوبِ مَوَدَّةً … وَعَطَفْتَ (١) مِنْكَ بِرَحْمَةٍ وَحَنَانِ
وَنَشَرْتَ لِي فِي العَالَمِينَ مَحَاسِنًَا … وسَتَرْتَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ عِصْيَانِي
وَجَعَلْتَ ذِكْرِي فِي البَرِيَّةِ شَائِعًا … حَتَّى جَعَلْتَ جَمِيعَهُمْ إِخْوَانِي
ومضى في الدعاء إلى أن قال في القرآن:
وَلَأَتْلُونَ حُرُوفَ وَحْيِكَ فِي الدُّجَى … وَلَأَحْرِ قَنَّ بِنُورِهِ شَيْطَانِي
أَنْتَ الَّذِي يَا رَبِّ، قُلْتَ حُرُوفَهُ … وَوَصَفْتَهُ بِالوَعْظِ وَالتِبْيَانِ
وَنَظَمْتَهُ بِبَلاغَةٍ أَزَلِيَّةٍ … تكييفهَا يَخْفَى عَلَى الأَذْهَانِ
وَكَتَبْتَ في اللَّوْحِ الحَفِيظِ حُرُوفَهُ … مِنْ قَبْلِ خَلْقِ الخَلْقِ فِي أَزْمَانِ
فَاللَّهُ رَبِّي، لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا … حَقًّا إِذَا مَا شَاءَ ذُو إِحْسَانِ
نَادَى بِصَوْتٍ حِينَ كَلَّمَ عَبْدَهُ … مُوسَى، فَأَسْمَعَهُ بِلا كِثْمَانِ
وَكَذَا يُنَادِي في القِيَامَةِ رَبُّنَا … جَهْرًا، فَيَسْمَعُ صَوْتَهُ الثَّقَلَانِ
أَنْ يَا عِبَادِي، أَنْصِتُوا لِي، وَاسْمَعُوا … قَوْل الإله المَالِكِ الدَّيَّانِ
هَذَا حَدِيثُ نَبِيِّنَا عَنْ رَبِّهِ … صِدْقًا بِلَا كَذِبِ وَلَا بُهْتَانِ
لَسْنَا نُشَبِّهُ صَوْتَهُ بِكَلَامِنَا … إِذْ لَيْسَ يُدْرَكُ وَصْفُهُ بِعَيَانِ
لَا تَحْصُرُ الأَوْهَامُ مَبْلَغَ ذَاتِهِ … أَبَدًا، وَلَا يَحْوِيهِ قُطْرُ مَكَانِ
(١) في مطبوع «كفاية الإنسان»: «والعطف».