معبدهم، وأنس قائمهم ومتهجدهم، لا يذمّ فيه المغالون، ولا يطاول به المتغالون، تزاحم عليه القراء حلقا، وتوكل به إسماعا وحدقا، وهم لسواه قالون (١). وإليه غاية منتهاهم إذا قال قالون، غني بإفاك التربية عن شافع (٢)، وكفى في ثبوت فضله فلم يحتج إلى إبداء دافع (٣)، ووقي فلم يخش ضرا إذ أخذ عن نافع (٤).
قيل إنه كان ربيب نافع (٥)، وهو الذي لقبه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية، معناه جيد، لم يزل يقرأ على نافع، حتى مهر وحذق (٦)، وتبتل لإقراء القرآن والعربية، وطال عمره، وبعد صيته، وكان شديد الصمم، وكان يقول للقارئ: لو رفعت صوتك لا إلى غاية لا يسمع، وكان ينظر إلى شفتي القارئ فيردّ عليه اللحن والخطأ (٧)، وقال قالون: قال لي نافع: كم تقرأ (عليّ)(٨)(ص ١٠٣) اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ، وتوفي سنة عشرين
(١) قالون: من قلى بوزن رمى، قلاه قلى: أبغضه. تركه، انظر القاموس المحيط مادة (قلي) أي لغيره من القراء تاركون. (٢) أي غني في ميدان التربية عمن تشفع له تزكيته، أو التعريف به. (٣) ومكفي في ثبوت فضله ومكانته، فلا يحتاج إلى من يعرف به. (٤) نافع بن عبد الرحمن أبو رويم أسلفت ترجمته في ص ١٦ ترجمة (٩) من هذا الكتاب وقد قرأ عليه قالون، انظر غاية النهاية ٢/ ٣٣١. (٥) انظر غاية النهاية ١/ ٦١٥ وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧. (٦) انظر المصادر السابقة. (٧) انظر غاية النهاية ١/ ٦١٦ وفيه أنه كان أصم لا يسمع البوق وفيه (وكان إذا قرأ عليه قارئ فإنه يسمعه) لعل مراده أنه يدرك قراءاته كما ورد بالنظر إلى شفتي القارئ. انظر الجرح والتعديل ٦/ ٢٩٠ وغاية النهاية ١/ ٦١٦ وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٢٧. (٨) ليست في الأصل زيادة من غاية النهاية ١/ ٦١٥ يريد إلى متى تقرأ عليّ فصرت أهلا للإقراء اجلس إلى أسطوانة المسجد لأرسل إليك من يقرأ عليك. ويؤكد هذا المراد ما ورد من كثرة قراءته على مولاه نافع كما في غاية النهاية وما قاله ابن العمري فيه (لم يزل يقرأ على نافع حتى مهر وحذق). وقال قالون: جالسته - أي نافع - بعد الفراغ عشرين سنة.