مازندران والتتر في أثره لا يلتفتون إلى شيء من البلاد، ولا إلى غير ذلك، بل قصدهم إدراك خوارزم شاه، فسار من مازندران إلى مرسى من بحر طبرستان يعرف بالسكون (١)، وله هناك قلعة في البحر، فعبر هو وأصحابه إليها، ووقفت التتار على ساحل البحر وأيسوا من لحاق خوارزم شاه، ولما استقر خوارزم شاه بهذه القلعة توفي فيها.
وهو (٢) علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين غرشة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهورًا، واتسع ملكه، فملك من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة وبعض الهند وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس. وكان عالمًا بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورًا على التعب وإدمان السير، وسنذكر شيئًا من أخباره عند مقتل ولده جلال الدين. ولما (٣) أيس التتر من إدراك خوارزم شاه عادوا إلى مازندران ففتحوها وقتلوا أهلها، ثم ساروا إلى الري وهمدان ففعلوا كذلك من الفتك والسبي، ثم ملكوا مراغة في صفر سنة ثمان عشرة وستمائة، ثم ساروا إلى خراسان واستولوا عليها، ونازلوا (٤) خوارزم وقاتلهم أهلها مدّةً أشد قتال، ثم فتحوها، وكان لها سد في نهر جيحون ففتحوه وركب الماء خوارزم وغرّقها، وفعلوا في هذه البلاد جميعها من قتل أهلها وسبي ذراريهم وقتل العلماء والصلحاء والزهاد والعباد، وتخريب الجوامع، وتحريق المصاحف ما لم يسمع بمثله في تاريخ قبل الإسلام ولا بعده، فإن واقعة بخت نصر على بني إسرائيل (٥) لا تنسب إلى بعض بعض ما فعله هؤلاء، فإن كل مدينة من المدن التي أخربوها أعظم من القدس بكثير، وكل أمة قتلوهم من المسلمين أعظم من بني إسرائيل الذين قتلهم بخت نصر. ولما فرغ التتر من خراسان عادوا إلى ملكهم فأرسل جيشًا كثيفًا إلى غزنة (٦)، وبها جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين محمد خوارزم بن تكش المذكور، مالكًا لها، وقد اجتمع كثير من عسكر أبيه، قيل كانوا ستين ألف فارس، وكان الذي سار إليهم من التتر اثنى عشر ألفًا فاقتتلوا مع جلال الدين قتالًا شديدًا وأنزل الله نصره على المسلمين، وانهزم التتر، وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف
(١) في الكامل: باب سكون. (٢) الترجمة نقلها صاحب المختصر عن الكامل ٩/ ٣٣٤. (٣) الكامل ٩/ ٣٣٥ والمؤلف ينقل حديثه عن المختصر. (٤) الكامل ٢٤٣٩ وتاريخ مختصر الدول ص ٤٠٩. (٥) هذه المقارنة نقلها أبو الفداء عن الكامل. (٦) انظر الكامل ٩/ ٢٤٣.