أحد إلا مات، ولا يابس إلا تدهده». ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
وروى الإمام أحمد في «مسنده» بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: «هكذا»؛ يعني: أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد: أرانا معاذ فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد (١)؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة وقال: مَنْ أنت يا حميد (٢)؟ وما أنت يا حميد (٢)؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ تقول (٣): ما تريد إليه؟ ورواه الترمذي وقال:«حديث حسن صحيح غريب» ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: «على شرط مسلم ولم يخرجاه» وصححه الخلال أيضًا (٤).
وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابًا ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ قال: مغشيًا عليه رواه (ج)(٥)(٦).
تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] كيف نفى فعل الإدراك بلا الدالة على طول النفي، ودوامه، فإنه لا يدرك أبدًا وإن رآه المؤمنون، فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق، وكيف نفى الرؤية بلن فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد، وقد أكذبهم الله في قولهم تأبيد النفي بلن، صريحًا بقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فهذا تمن للموت، فلو اقتضت لن دوام النفي تناقض الكلام، كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا … ﴾. في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لا يراني». (١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «محمد» دون أداة الكنية، والصواب إثباتها. (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يا أبا حميد». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فتقول أنت». (٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٥)، والترمذي (٣٠٧٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٨٠ - ٤٨٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٥٨ - ٢٦٣)، وابن أبي حاتم (٤٨١ - الأعراف)، وابن جرير (١٠/ ٤٢٨)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (٥٩)، وابن عدي (٢/ ٦٧٧)، والحاكم (١/ ٢٥ و ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١ و ٥٧٧)، والضياء في «المختارة» (١٦٧٢ - ١٦٧٥) وإسناده صحيح. (٥) أخرجه ابن جرير في «التفسير» (١٠/ ٤٢٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ١٥٦٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٨٤)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٥٠٤) وفي إسناده ضعف، وضعفه شيخنا الألباني. (٦) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٦) بتصرف.