إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ وقد أشكل حرف «لَنْ» ههنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة (١)، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة، وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقد تقدم ذلك في الأنعام، وفي الكتب المتقدمة! إن الله تعالى قال لموسى ﵇: «يَامُوسَى إِنَّهُ لَنْ يرَانِي (٢)
(١) ظفرت بكلام محرر مطول في الرد عليهم في «التمييز» للسكوني (ولم ينشر بعد)، وانظر: «الانتصاف» (٢/ ١٥٤) لابن المنير، و «المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف» (١/ ٤٩٨ - ٥٠٠) والهامش الآتي. (٢) دعوى المعتزلة أن «لن» تفيد تأكيد النفي وتأبيده، واستدلالهم بذلك على نفي الرؤية وإنكار وقوعها، دعوى فاسدة من وجهين: الأول: إنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠]. قال الشيخ جمال الدين ابن مالك ﵀: ومن رأى النفي بـ «لن» مؤبدا … فقوله اردد وسواه فاعضدا الثاني: إنها لو قيدت بالتأبيد، لم يدل ذلك على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟! ودليل هذا الوجه قوله تعالى عن المشركين في كرههم للموت وعدم تمنيهم له: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] لكنهم في النار يتمنونه ويدعون به، قال تعالى في بيان حالهم هذا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فثبت بهذا أن «لن» لا تقتضي النفي المؤبد، وبطل بذلك استدلال المعتزلة بها على نفي الرؤية. وقال ابن القيم ﵀ وهو يتكلم عن الفرق بين النفي بـ «لا» والنفي بـ «لن» في كتابه «بدائع الفوائد» (١/ ٩٦ - ٩٧): من أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في «لن» وطوله في «لا»، يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله، حيث جعلوا «لن» تدل على النفي على الدوام، واحتجوا بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن، وتأمل قوله =