الوجه الثاني: إن الله ﷾ لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه؛ ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٦، ٤٧].
الوجه الثالث: إنه أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لست بمرثي (١)، ولا تجوز رؤيتي؛ والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه ﷾ يرى، ولكن موسى (٢) قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى بوضحه.
الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف؟
الوجه الخامس: إن الله ﷾ قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية محالا، لكان نظير (٣) أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواء.
الوجه السادس: قوله ﷾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎، فإنه إذا جاز أن يتجلى (٤) للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ فأعلم ﷾ موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
الوجه السابع: إن ربه ﷾ قد كلمه منه إليه، وخاطبه وناجاه
(١) في مطبوع «حادي الأرواح»: «لا تراني ولا إني ليست بمرئي». (٢) في مطبوع «حادي الأرواح»: «لا تحتمل». (٣) في مطبوع «حادي الأرواح»: «لكان ذلك نظير». (٤) في مطبوع «حادي الأرواح»: «جاز أن يتجلى».