وناداه، ومَنْ جاز عليه التكلّم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدًا ويراه (١) أحد، ولهذا سأله موسى النظر إليه لما أسمعه كلامه وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النفي، ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أُطلقت؟ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
فصل
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في «الصحيحين» من حديث التجلّي (٢)، وسيمر بك عن قريب إن شاء الله تعالى.
وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة: أحدها: - أن لا يراه إلا المؤمنون. والثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك.
الثالث: يراه المنافقون دون الكفار. والأقوال الثلاثة في مذهب «حم» وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها لهم في تكليمه لهم، ولشيخنا في ذلك مصنف مفرد (٣)، وحكى فيه الأقوال الثلاثة وحجج أصحابها، وكذا قوله ﷾:
(١) في مطبوع «حادي الأرواح»: «أو يراه». (٢) سبق تخريجه. (٣) هو شيخ الإسلام ابن تيمية ورسالته، هي «رسالة في هل رأى النبي ﷺ ربه بعيني رأسه»