الإيمان، وهو الذي رجحه (ع)(١)، وإليه أميل؛ لأن الله تعالى نفى عنهم الإيمان بقوله، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ *﴾ فلا يجوز أن يقال: بل دخل الإيمان في قلوبهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ إلخ [الحجرات: ١٤]، فليس فيه دليل على أنهم كانوا مؤمنين؛ لأن طاعة الله ورسوله لا تقبل إلا بعد دخول الإيمان في القلوب، وهو مطابقة اللسان للقلب، وهؤلاء لم تكن قلوبهم مطابقة لألسنتهم وحديث سعد يؤيد هذا الترجيح، فإنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله ما لك عن فلان والله إني لأراه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ:«أو مسلمًا»، فأعاد عليه هذا القول ثلاث مرات، فأجابه فيهن بالجواب نفسه ثم قال له:«إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه»(٢)، الحديث.
فقول النبي ﷺ:«أو مسلمًا»، معناه والله أعلم: لعل هذا الرجل الذي حلفت أنه مؤمن ليس كما ظننت وإنما هو مسلم، فظهر بذلك أن من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلم فيما يرى الناس وليس بمؤمن، والله أعلم. اهـ.
ثم قال ابن رجب:
«وقد اختلف أهل السنة: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان أو يقال: ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد (٣) وأما اسم الإسلام فلا
= ولو كانوا منافقين لنفي عنهم الإسلام كما نفي الإيمان. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]. أي: لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له. ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم *﴾ [الحجرات: ١٧]. فأثبت لهم إسلامًا، ونهاهم أن يمنوا على رسول الله ﷺ، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا؛ لقال لم تسلموا بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ *﴾ [المنافقون: ١]؛ لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ *﴾ ولو كانوا منافقين لما من عليهم. ومنها أنه قال: ﴿أَنْ هَدَاكُم لِلْإِيمَانِ *﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا *﴾ فإنه نفي الإيمان المطلق ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام هو متضمن لمطلق الإيمان. (١) كذا في الأصل بخاء؛ وصوابه جيم، إذ المذكور هو الذي قرره ابن جرير في «تفسيره» (٢١/ ٢٨٨)، ولا يوجد في صحيح البخاري ما يدل على مذهبه عند الآية المذكورة في (كتاب التفسير)، ووجدته رأيًا للزجاج في «معاني القرآن وإعرابه» (١/ ٢٠٨). (٢) سبق تخريجه قريبًا. (٣) انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في «العقيدة» (١/ ١١٠).