وتوسله بالعباس ﵄، وأما حديث الأعمى (١) الذي يموّه به المبتدعون فلا حجة لهم فيه، لأن الأعمى سأل النبي ﷺ الشفاعة والدعاء في حال حياته، وهذا لا نزاع فيه على فرض صحة الحديث، وفيه مقال، وقد قتل هذه المسألة بحثًا وتحقيقًا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية في كتابه المسمى «التوسل والوسيلة»، ودليل التوسل بالأعمال حديث النفر الثلاثة الذين دخلوا في الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعا الله كل واحد منهم بصالح عمله، ففرج الله عنهم، وهذا الحديث مشهور في «صحيح البخاري»(٢).
وهؤلاء المبتدعون - وأكثرهم مشركون - يتسترون بحديث الأعمى لِعُمْيِ بصائرهم، وإلا فباب التوسل إلى الله مفتوح، فمحبة النبي ﷺ واتباعه والعمل بسنته ونصر شريعته من أعظم الوسائل إلى الله تعالى، فبدل أن يقول المشرك أو المبتدع: اللهم إني أتوسل إليك بأنبيائك أو أوليائك، يتوب إلى الله تعالى من الشرك والبدعة، ويوحد الله ويتبع سنة نبيه ﷺ، ويقول بصدق: اللهم إني أتوسل إليك بتوحيدي لك واتباعي لسنة نبيك، فيكون على الصراط المستقيم ويخرج من الظلمات إلى النور ولا ينكر ذلك عليه أحد.
والله يهدينا جميعًا إلى صراطه المستقيم، ويبعدنا عن طريق أصحاب الجحيم.
(١) وهو مما أخرجه أحمد (٤/ ١٣٨) وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يُعافيني. قال: «إن شئت دعوتُ لك وإن شئت أخرتُ ذاك، فهو خير»، (وفي رواية: «وإن شئت صبرت فهو خير لك»)، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه في «وشفعني فيه»» قال: ففعل الرجل، فبرئ». وقد أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٢٠٩)، والترمذي (٣٥٧٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٥٩)، وابن ماجه (١٣٨٥)، وابن خزيمة (١٢١٩)، وعبد بن حميد (٣٧٩)، والطبراني في الكبير (٨٣١١)، والحاكم (١/ ٣١٣)، وللاستزادة انظر تخريجنا: لـ «الحنائيات» رقم (٩٣) فقد فصلت الكلام عليه، وانظر في توجيهه كلام شيخنا الألباني في: «التوسل أنواعه وأحكامه» (٧٦ - ٨٥، ط. مكتبة المعارف). (٢) أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك أجْرَهُ، فَعَملَ فيهِ المُستأجرُ فزاد أَوْ مَنْ عَملَ في مالِ غيره فاستفضل برقم (٢٢٧٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وقد خرجت طرقه وبيان مخارجه في تعليقي على «فنون العجائب» للنقاش رقم (٣٥ - ٤٨)، وهو مطبوع ضمن مجموعة أجزاء حديثية، فانظره إن أردت الاستزادة.