خالصة مطلقة، ووضع كل الحدود أمام أي زيغ أو زلل عن هذا الطريق هو بمثابة الأرض الصلبة التي يقف عليها المرء مسلمًا آمنًا لا عوج فيه ولا اضطراب. والقرآن الكريم من أوله إلى آخره يذكر التالي له - بين آونة وأخرى - بهذا النهج الأبدي السرمدي المرتكز على أن الله ﷿ متفرد في ملكه ومستحق وحده العبادة دون وسيط مهما كانت درجة قربه، ومهما كانت مكانته عند ربه. فالله واحد في تدبيره للكون أرضًا وسماء، واحد في استحقاقه لعبادة الخلق، واحد في أسمائه وصفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فإذا تحققنا وهو ما يقرره كتاب الله ﷿ من أن البشرية لم تخلق أصلًا إلا من أجل هدف كبير، وغاية سامية، وهي أن تعبد الله وتخلص له القصد في القول والعمل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولن تستقيم أحوالها ويستتب صوابها إلا على هذه الركيزة الأساسية: الوحدانية المطلقة لله، واتباع سنن رسله ﵈، إذا تحققنا ذلك أدركنا - في بساطة ويسر - مدى العناية التي أعطاها القرآن الكريم من البداية إلى النهاية لقضية التوحيد في شمولها وعمومها، وما ضرب الله من أمثال تقربها من الأفهام وتدنيها من الوعي، وما أحاط بها في نفس الوقت من شبهات وزيغ، وما نشأ بسبب الفهم المضطرب لها - بين الحق وسواه - من فرق ونحل، ومن طرائق ومسميات، وأدركنا في نفس الوقت الجهد الكبير الذي بذله العلامة السلفي الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الحسيني وهو يكتب مؤلفه «سبيل الرشاد» في سفر يضم ستة أجزاء في ثلاثة مجلدات عالج فيها بمهارة العالم المتمكن كل القضايا والجزئيات المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة المعروفة، والتي ارتكز في معالجتها على أمرين:
أ - الرجوع إلى المصادر الأولى: القرآن الكريم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ من تبيان لبعض الآيات التي ينطلق منها بحثه، ثم آراء كبار المفسرين من أئمة السلف والخلف ومن نحا نحوهم وسار على خطاهم وخاصة في التوقف عن الخوض في أسماء الله وصفاته بغير علم ولا هدي، حيث يثبتونها كما أثبتها الله لنفسه من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل، فهي كمال مطلق لا ندرك كنهها ولا حدود قدرتها - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ب - ما عايشه هذا المؤلف الجليل في حياته المبكرة من ألوان المذاهب