للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

والعقائد، وما خبر بحكم تقلبه في آفاق شتى من الأرض ما لهذه وتلك من حجج ومقومات، ولعلي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب الذي يُعنى بتتبع آيات التوحيد المبثوثة في القرآن الكريم التي تعالج هذه القضية الأساسية في التشريع، وفي تصنيف الإنسان كافرًا أو مؤمنًا أو زائغًا، وبالصراع الطويل القائم بين الرسل ومخالفيهم - على كثرتهم واختلاف بيئاتهم - لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب قد تم إملاؤه بتأثر واضح مما عايشه من انحرافات وأباطيل، ومن دعاوى ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان، وبتأثر كبير من إقامته في المدينة النبوية معقل الرسول ومهاجره، والمثوى الكريم لجسده الطاهر .

إن الفكر المسلم يتجه أول ما يتجه في تلك الأرض الطيبة المفعمة بوحي الله إلى جهاد الرسول العظيم في سبيل دعوة الحق، وإلى ما ناله من أذى قومه وهو يعلنها صريحة قوية واضحة: أن اعبدوا الله وحده ولا تتخذوا من دونه من ولي ولا نصير، لقد نادى أقرب الناس إليه، نادى فلذة كبده فاطمة وهو يحدد موقفه من ربه ومنها، ويزيل كل لبس قد يعلق بأذهان أمته وعبر مسيرتها في الأرض: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئًا» (١). أي تحديد أدق من هذا القول النبوي الفصل، وأي كلام أنفذ منه إلى المعنى الذي قصده، فإذا كان هذا حال محمد وهو أعظم الخلق عند الله منزلة، وأرفعهم قدرًا، وقائدهم يوم الحشر العظيم، وشفيع من مات من أمته موحدًا لله خاضعًا لربوبيته المطلقة، فكيف يسمح العقل لأي إنسان يدعي الإيمان والإسلام أن يجعل بين الله وبينه شفيعًا، أو يتخذ من دونه واسطة، أو يلحد في أسمائه وصفاته، أو يصرفها عن ظاهرها أدعاء لتنزيه الله وتقديسه.

إن الخالق العظيم وقد أوجد هذا الكون على غير مثال سبق، وأودع فيه الإنسان نفحة من نفحاته ليعمره بالعمل الصالح، وبالعبادة الخالصة، وأنزل له الشرائع، وبعث له الرسل تلو الرسل، يحملون آيات بينات، ووحيًا يتلقونه من السماء لإسعاد أممهم وتقويم عوجهم.

إن هذا الخالق الكبير وهو يدعو هذا الإنسان إلى الاحتماء بكنفه والالتجاء


(١) أخرجه البخاري (٢٧٥٣، ٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤) من حديث أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>