بانتزاع الملك، وأخذ ابن عباد (١) وأهله الأخذة الرابية، وقيده بالحديد، وغله وسلسله، وحمله هو وأهله في الفلك إلى أن سجنه بأغمات (٢)، ورمى أهله بالتفرق والشتات، ولم يجر عليه وهو في حبسه ولا رغيفا واحدا من الخبز، حتى كنّ (٣) بناته يغزلن للناس بالأجرة، ويطعمن أباهم، ودخل إليه بعض بناته في يوم مطير ذالق ووحل، وهي حافية القدم، لعدم قدرتها على مشترى حذاء، فبكى على حاله، وقال في ذلك الأشعار المشهورة (٤)، والأقوال المذكورة، وأدى
(١) هو المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد بالله صاحب الأندلس من ذرية النعمان بن المنذر، كان مولده سنة (٤٣١ هـ) تملك إشبيلية سنة (٤٧١ هـ)، وبعد وقعة الزلاقة طمع ابن تاشفين بالأندلس، فزحف بجيشه سنة (٤٨٣ هـ) وحاصروا حصون المعتمد، وحاصروا إشبيلية وأسروا المعتمد ومضوا به وبآله إلى طنجة بعد أن أفقروهم، ثم سجن المعتمد في أغمات عامين وزيادة بحالة يرثي له. توفي سنة (٤٨٨ هـ)، وقد كان له أربع وثلاثون بنتا، افتقروا وتعلموا صنائع. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٨ - ٦٦. (٢) أغمات: ناحية في بلاد البربر الصامدة من أرض المغرب قرب مراكش بينهما مسيرة يوم، ثلاثة فراسخ، في سفح جبل هناك. انظر معجم البلدان ١/ ٢٢٥. (٣) (كنّ) هكذا في الأصل. (٤) منها قوله: تبدلت من ظلّ عزّ البنود … بذلّ الحديد وثقل القيود وكان حديدي سنانا ذليقا … وعضبا رقيقا صقيل الحديد وقد صار ذاك وذا أدهما … يعضّ بساقيّ عضّ الأسود نفح الطيب ٤/ ٢١٤ وقيل إنّ بنات المعتمد أتينه في عيد، وكنّ يغزلن في أغمات، فرآهنّ في أطمار رثة، فصد عن قلبه، فقال: فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا … فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعة … يغزلن للناس ما يملكن قطميرا برزن نحوك للتسليم خاشعة … أبصارهنّ حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافية … كأنّها لم تطأ مسكا وكافورا سير أعلام النبلاء ١٩/ ٦٤