وكان منهم المأمون بن المنصور (١) قلب الدولة عن قواعدها، وأسقط اسم مهديهم من الخطبة، وارتكب من الأهوال ما لا يسع ذكره إلا ترجمته، وهو مشبه بمأمون بني العباس في القيام على أخيه، والنهوض في الفتن وقلب الدول، لأن المأمون صيّر الدولة علوية، وأزالها عن بني العباس. وكان قد نزع منزع المأمون (٢) في التنويه بالعلماء والمناظرة في مجلسه، وإدرار الأرزاق عليهم، وكان للشعراء منه حظ عظيم. قال ابن سعيد: وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب كان الفضل للمشرق، وذلك أنّ ما كان بأيدي المسلمين منه هو سلطنة السند التي تداولها القرشيون وتوارثوها، وكان سريرهم بها مدينة المنصور (٣)، وما زالوا يتوارثونها إلى أن غلبت عليهم سلاطين العجم، وأضافها السلطان محمود بن سبكتكين إلى بلاده (٤)، وملكها شهاب الدين الغوري، صاحب غزنة (٥)، وآل أمرها إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن
(١) هو السلطان الملك المأمون إدريس بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب، كان بطلا شجاعا، مهيبا، داهية، فقيها، أصوليا ناظما ثائرا وافر الجلالة كما قال الذهبي. كان بالأندلس مع أخيه العادل عبد الله، فلما ثارت الفرنج على العادل ترك الأندلس، واستخلف أخاه إدريس على إشبيلية، وبعد حدوث أمور كثيرة خطب له بالخلافة في الأندلس، ثم خرج إلى مراكش وانتزع الملك من ابن عمه يحيى بن محمد، بيعته، وغير ما كان عليه الموحدون من الدعاء للمهدي، وكثرت الثورات والمحن في أيامه، وكان سبب محق دولة الموحدين، مات في الغزو سنة (٦٣٠ هـ)، انظر سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣ والمعجب في تلخيص أخبار المغرب ٤١٦. ونفخ الطيب ١/ ٤٢٠. (٢) أسلفت ترجمته في ص ١٤٦ هامش (١) (٣) أي مدينة بغداد التي خططها المنصور وأعمرها. (٤) هو الملك يمين الدولة فاتح الهند أبو القاسم محمود بن سيد الأمراء ناصر الدولة سبكتكين التركي الغزنوي (٣٦١ - ٤٢١ هـ) أسلفت ترجمته في ص ٧٧ هـ ٣ وانظر الكامل ٨/ ٦٨٣ - ٦٨٧ و ٩/ ١٠٢ وما بعدها، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٨٣ - ٤٩٥. (٥) هو أبو المظفر محمد بن سام بن الحسين بن الحسن السلطان شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، -