وأما قوله:(والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من (ص ٢٩) المسامحة في القول والإخلاف بالوعد، وقلة المبالاة والارتباط، ونبذ الحقوق ومراعاة الأخلاق الإنسانية ما يقطع النفس حسرات) (١).
فأول هذا القول صحيح لا شك فيه إن عندهم التغاضي وترك الحقد، وقلة المؤاخذة. وهذا دليل رزانة حلومهم، وكرم شيمهم، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلق بأخلاق الكرماء، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعا لهم، يتوارثه منهم خلف عن سلف.
وأما آخر هذا الكلام فهو غير مسلّم والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين، وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين (٢) ملك المغرب وبرّ العدوة مع بني عباد ملوك الأندلس فإنهم أدخلوه إلى بلادهم، وبذلوا له الطاعة، وقدموا إليه نفائس الأموال، وأخدموه البنين والبنات. فكافأهم
(١) مما ذكره عن ابن سعيد في ص ١٠٢. (٢) يوسف بن تاشفين: هو أمير المسلمين السلطان أبو يعقوب البربري الملثم قال الذهبي: صاحب الغرب، ويعرف بأمير المرابطين، وهو الذي بنى مراكش وصيرها دار ملكه، وقد ظهر مع أبي بكر ابن عمر اللمتوني، الذي استولى على بلاد المغرب من تلمسان إلى طرف الدنيا الغربي، واستناب ابن تاشفين، فطلع بطلا شجاعا عادلا مهيبا، اختط مراكش سنة (٤٦٥) اشترى أرضها بماله الذي خرج من صحراء السودان .. وكثرت جيوشه، وخافته الملوك، وثار الفرنج بالأندلس، فعبر ابن تاشفين وأنجد المسلمين فطحن العدو في وقعة الزلاقة - غرب الأندلس - سنة ٤٧٩، وأعجبته الأندلس فاستولى عليها وأخذ ابن عباد وسجنه، وأساء العشرة. كان كثير العفو مقربا للعلماء، تملك بضعا وثلاثين سنة، كان هو وجيشه ملازمين لثام الوجه، فيهم شجاعة وعسف وعتو: مات في أول سنة (٥٠٠) وله بضع وثمانون سنة، وتملك مدائن كبارا في الأندلس وبالعدوة، ولو سار لتملك مصر والشام. شمل سلطانه المغربين الأقصى والأوسط وجزيرة الأندلس. انظر سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٥٢ - ٢٥٤ وهوامشها. و ١٩/ ٦٢ وما بعدها.