للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان قد ورد من الخليفة المستنصر محيي الدين يوسف (١) بن جمال الدين بن الجوزي للتوفيق بين الملوك، فتسلّم الملك الكامل دمشق لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى.

وكان الملك الكامل شديد الحنق على شيركوه صاحب حمص، فأمر العسكر فبرزوا لقصد حمص، وأرسل إلى صاحب حماة وأمره بالمسير إليها، فبرز الملك المظفر من حماة ونزل على الرستن (٢)، واشتدّ خوف شيركوه صاحب حمص، وتخضع للملك الكامل، وأرسل نساءه إليه، ودخلن على الملك الكامل فلم يلتفت إلى ذلك.

ثم بعد أن استقر الملك الكامل في دمشق لم يلبث إلا أيام (٣) حتى مرض واشتدّ مرضه، وكان سببه أنه لما دخل قلعة دمشق أصابه زكام، ودخل الحمام، وسكب عليه ماء شديد الحرارة فاندفعت النزلة إلى معدته وتورّمت منها. وحَصَلَتْ له حمّى، فنهاه الأطباء عن القيء وخوفوه منه فلم يقبل وتقيأ فمات لوقته وعمره نحو ستين سنة.

وكانت وفاته (٤) لتسع بقين من رجب من سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان بين موته وموت أخيه الأشرف ستة أشهر، وكانت مدة ملكه لمصر من حين مات أبوه عشرين سنة، وكان نائبًا لها قبل ذلك عشرين سنة.

فتحكم في مصر نائبًا ومالكًا أربعين سنة، وأشبه حاله حال معاوية بن أبي سفيان، فإنه حكم في الشام نائبًا نحو عشرين سنة وملكًا نحو عشرين سنة.

وكان الملك الكامل ملكًا جليلًا، مهيبًا، حازمًا حسن التدبير، أمنت الطرق في أيامه، وكان يباشر تدبير المملكة بنفسه.

واستوزر في أول ملكه وزير أبيه صفي الدين بن شكر، فلما مات ابن شكر لم يستوزر أحدًا بعده، وكان يخرج الكامل بنفسه فينظر في أمور الجسور عند زيادة النيل وإصلاحها فعمرت في أيامه ديار مصر أتم العمارة، وكان محبًا للعلماء ومجالستهم،


(١) محيي الدين، أبو المظفر يوسف بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي، واعظ حنبلي، ولد سنة ٥٨٠ هـ وعين أستاذ دار المستعصم ودرس بالمستنصرية، مات سنة ٦٥٦ هـ انظر: الوافي بالوفيات ٢٩/ ٢٣٨ والمختصر المحتاج إليه ٣/ ٢٣٣ ومرآة الزمان ٤/ ١٤٧ وفوات الوفيات ٤/ ٣٥١.
(٢) الرَّستَنْ: بليدة قديمة على نهر العاصي يمر قدام حماة، وهو بين حماة وحمص في نصف الطريق (معجم البلدان ٣/ ٤٣).
(٣) كذا في الأصل، وفي المختصر غير أيام.
(٤) انظر خبر الوفاة في الشذرات ٥/ ١٧١ ومرآة الجنان ٤/ ٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>