وستمائة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد وترك زي الحفصيين، وأقام على زي زناتة، وعكف على الشرب، وفرق المملكة (١) على أولاده، فوثبت (٢) أولاده على الواثق المخلوع فذبحوه، وذبحوا معه ولديه الفضل والطيب، وسلم للواثق ابن صغير تلقب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء عصيدة فيها دواء ويهدونها للنسوان (٣)، وعملت أم الصبي ذلك، فلقبوا ابنها أبو عصيدة (٤)، ثم ظهر إنسان ادعى أنه الفضل بن الواثق الذي ذُبح مع أبيه، واجتمعت عليه الناس، وقصد أبا إسحاق إبراهيم وقهره فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، وفيها ابنه أبو فارس عبد العزيز فترك أبو فارس (٥) أباه ببجاية وسار في أخوته وجمعه إلى الدَّعي بتونس، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى وعمه أبو حفص عمر بن زكريا.
ولما هزم الدَّعي عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعي، واجتمعت العرب على عمر بن زكريا بعد هروبه من المعركة، وقوي أمره وقصد الدعي بتونس وقهره. و استقر الدَّعي في بيت بعض التجار بتونس، ثم أحضر واعترف بنفسه فضربت عنقه، وكاد الدَّعي المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد بن مرزوق ابن أبي عمار، وكان أبوه يتجر إلى بلاد السودان. وكان الدَّعي المذكور محارفًا قصيفًا، وسار إلى ديار مصر، ونزل بدار الحديث الكاملية (٦)، ثم عاد إلى الغرب، فلما مر على طرابلس كان هناك شخص أسود يسمَّى نصيرًا وكان خصيصًا بالواثق المخلوع، وقد هرب لما جرى للواثق ما جرى وكان في الدَّعي بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، فاجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه، حتى
(١) الأصل: مماليكه، والتصويب عن المختصر ٣/ ١٨٨. (٢) كذا في الأصل والمختصر، والصواب فوئب. (٣) في المختصر: يهدى منها للجيران. (٤) في المختصر: فلقب ولدها بأبي عصيدة. (٥) الأصل: أبا. (٦) دار الحديث الكاملية، أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي في سنة ٦٢٢ هـ بين القصرين بالقاهرة، ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية، ولم تزل بيد أعيان الفقهاء حتى تلاشت بعد سنة ٨٠٦ هـ. انظر خطط المقريزي ٣/ ٣٣٥.