المظفر قطز، فأمر بضرب عنقه بسبب ما كان اعتمده من سفك الدماء والفسق. ولما انقضى أمر المصاف، أحسن المظفّر قطز إلى الملك المنصور صاحب حماه وأقره على حماه وبارين وأعاد إليه المعرَّة وكانت في يد الحلبيين من حين استولوا عليها في سنة خمس وثلاثين وستمائة. وأخذ سلمية منه وأعطاها لأمير العرب. وأتم الملك المظفر السير بالعسكر وصحبته الملك المنصور صاحب حماه حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت يئست من النصر على التتر لاستيلائهم على معظم بلاد الإسلام، ولأنهم ما قصدوا إقليمًا إلا فتحوه، ولا عسكرًا إلا هزموه، فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم وبقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام وفي يوم دخوله دمشق أمر بشنق جماعة منتسبين إلى التتر، فشنقوا، وكان من جملتهم حسين الكردي طبردار الملك الناصر يوسف، وهو الذي أوقع الناصر في أيدي التتر، وفي هذه النصرة، وقدم قطز إلى الشام يقول بعض الشعراء:
هلك الكفر في الشام جميعًا … وأستجد الإسلام بعد دحوضه
بالمليك المظفر الملك الأر … روع سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاءنا بحزم وعزم … فاعتززنا بسمره وببيضه
أوْجَبَ الله شكر ذاك علينًا … دائمًا مثل واجبات فروضه
ثم أعطى قطز لصاحب حماة الدستور، فقدم الملك المنصور قدامه مملوكه ونائبه مبارز الدين أقوش (١) المنصوري إلى حماة، ثم سار الملك المنصور وأخوه الأفضل، ووصلا إلى حماة، ولما أستقر الملك المنصور بحماة قبض على جماعة كانوا مع التتر وأعتقلهم.
وهنأ الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ (٢) المنصور بهذا النصر العظيم، وبعود المعرَّة، بقصيدة منها:[الكامل]
رُعْتَ العدى فَضَمِنْتَ ثَلَ عروشها … ولقيتها فَأَخذْتَ تل جيوشها
نازَلْتَ أملاك التتار فأنزَلَتْ … عن فحلها قسرًا وعن إكديشها
فغدا لسيفك في رقاب كماتها (٣) … حصد المناجل في يبيس حشيشها
فقت الملوك ببذل ما تحويه … إذ خَتَمَتْ خزائنها على منقوشها
(١) آقوش المنصوري الحموي، التركي، أستاذ صاحب حماه، من كبار الأمراء في حماه وصف بالشجاعة والكرم، توفي سنة ٦٧٢ هـ. انظر: الوافي ٩/ ٣٢٢. (٢) الصاحب شرف الدين الأنصاري، والقصيدة في ديوانه ص ٢٩٦، وشفاء القلوب ص ٤٤١. (٣) الأصل: كأنها، والتصويب من الديوان والشفاء.