توحيد الربوبية الذي رأى أن الآيات المتعلقة به في القرآن كثيرة جدًا لو استوعبها مع ما يتعلق بها من الحديث والآثار لعظم حجم الكتاب جدًا، ولذلك - إضافة إلى أنه معروف ومعتقد جميع الملل والنحل باستثناء الملاحدة المنكرين لوجود الله تعالى - لم يتناول آياته كلها بالكلام، وجعل بدله توحيد الاتباع وهو داخل في توحيد العبادة والألوهية، ثم توحيد الأسماء والصفات، وقد درج الناس على جعل أقسام التوحيد ثلاثة، إلا أنه أفرد من قسم توحيد العبادة، توحيد الاتباع وجعله قسمًا رابعًا لكثرة خلاف المقلدين لما جاء به رسول الله ﷺ، وهو في هذا كله مستمد من القرآن الكريم يتتبع آياته المتعلقة بالأقسام المذكورة في المصحف الشريف كله ابتداء من الفاتحة إلى النهاية، ضامًا النظير إلى نظيره دون مراعاة ترتيب السور، معتمدًا في التفسير على ابن كثير مشيرًا إليه بالكاف، وعلى «جامع البيان» لابن جرير مشيرًا إليه بالجيم، منتقيًا من الحديث ما صح، مشيرًا إلى ما اتفق عليه البخاري ومسلم بحرف القاف، وما انفرد به البخاري بحرف الخاء، وما انفرد به مسلم بحرف الميم، وما رواه أبو داود في السنن بحرف الدال، وما رواه الترمذي في جامعه بحرف التاء، وما رواه النسائي في «سننه» بحرف النون، وما رواه الإمام أحمد في مسنده بالحاء والميم أو الألف المهموزة، وبعد هذه المقدمة شرع المؤلف في بيان الأقسام، مبتدئًا بتوحيد العبادة وتوحيد الربوبية، ولم يشر المؤلف في مقدمته المقتضبة هذه إلى جانب مهم من منهجه المعروف في مؤلفاته وأبحاثه، وخصوصًا في هذا الكتاب الذي هو أكبر مؤلفاته حجمًا ونفعًا، وهو أنه بعد نقله بأمانة عمن ينقل عنهم، يتعقب كلامهم غالبًا بفصول مفيدة ناقدة تارة، أو مضيفة إليها ما يزيدها تقوية وبيانًا، وفي أثناء ذلك يتحدث عن نفسه وما جرى له من مناظرات ووقائع تتعلق بالموضوع، منبهًا على بدع ومخالفات خصوصًا ما ظهر منها على يد الصوفية ومريديهم.
[نموذج هذا التفسير]
والمؤلف كثيرًا ما يطيل القول فيصعب نقل كلامه كله، ولذلك ننقل من كلامه على قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، المراد بالرسول هنا نبينا محمد ﷺ، جاء اليهود بالحق - وهو