محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤](٢).
قال المحقق محمد صديق حسن القنوجي ﵀ في «فتح البيان» عند تفسير هذه الآية ما نصه: «﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أي: لا تراه ﴿الْأَبْصَارُ﴾ جمع بصر، وهو حاسة النظر، أي: القوة الباصرة، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها، أي: الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به، قال الزجاج: «أي لا يبلغ كنه حقيقته»(٣) فالأبصار ترى الباري عز اسمه، ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال سعيد بن المسيب:«لا تحيط به الأبصار» وقال ابن عباس: «كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به».
فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية، فقد ثبتت الأحاديث المتواترة (٤) تواترًا لا شك فيه، ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلًا عظيمًا، والحاصل أنه لا متمسك فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق، وأيضًا قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية؛ والتقدير: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وقد تشبث قوم من أهل البدع - وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة - بظاهر هذه الآية، ولا
(١) أخرجه الترمذي على إثر (٣٢٧٩)، والآجري في «التصديق بالنظر إلى الله» رقم (٦٣) وإسناده ضعيف. (٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ١٢٢ - ١٢٨) بتصرف. (٣) بنحوه في «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩). (٤) صرح بتواتر أحاديث الرؤية جمع منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٤٨)، وفي «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٩٠ و ١٦/ ٨٤)، وابن القيم في «حادي الأرواح» (٤١٦)، وابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (٢٠٩)، وابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٣٦).