والثاني: مقام المشاهدة، وهو: أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته الله تعالى (١) بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇، ويتفاوت أهل هذه المقامات (٢) فيه بحسب قوة نفوذ البصائر، وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى (٣): ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] بهذا المعنى، ومثله (٤) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، والمراد: مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قاله أبي بن كعب وغيره من السلف (٥).
وقد سبق حديث:«أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت»(٦). وحديث: ما تزكية المرء نفسه؟ قال:«أن يعلم أن الله معه حيث كان»(٧).
وخرج الطبراني (٨) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة في ظل الله تعالى يوم القيامة (٩) يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه» وذكر الحديث (١٠).
وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:
(١) في مطبوع «جامع العلوم والحكم» بدون: «تعالى». (٢) في مطبوع «جامع العلوم والحكم»: «المقام». (٣) في مطبوع «جامع العلوم والحكم»: «﷿». (٤) كذا في مطبوع «جامع العلوم والحكم»، وفي الأصل: «ومثل». (٥) انظر: «الدر المنثور» (٦/ ١٩٧). (٦) مضى تخريجه. (٧) مضى تخريجه. (٨) أخرجه الطبراني (٧٩٣٥)، والديلمي (٢٥٢٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٧٩): «وفيه بشر بن نمير وهو متروك، وكذا قال عنه الدارقطني في الضعفاء والمتروكين» رقم (١٢٥) وقال أحمد والبخاري: «منكر الحديث». انظر: «علل أحمد» (١/ ٢٠٥)، والتاريخ الكبير (٢/ ١/ ٨٤)، فإسناده ضعيف جدًا، وقال السيوطي في «تمهيد الفرش» (ص ٨٩ - بتحقيقي): «هذا حديث غريب» قال: «وبشر متروك»، قال: «والخصلة الأولى منه - وهي موطن الشاهد - وقعت مقترنة بغالب خصال الظلال السبعة في الأثر». (٩) في مطبوع «جامع العلوم والحكم» بدون: «يوم القيامة». (١٠) انظر: «جامع العلوم والحكم» (١/ ١١٦ - ١٣٢).