للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

«لقد كنت في غمرة عظيمة وضلال مبين، وكنت أرى خروجي من الطريقة التيجانية (١) كالخروج من الإسلام، ولم يكن يخطر لي ببال أن أتزحزح عنها قيد شعرة. وكان الشيخ عبد الحي الكتاني عدوا للطريقة التيجانية … ففي ربيع الأول من سنة أربعين من هذا القرن الهجري سافرت إلى فاس ودعيت في اليوم السابع منه لحضور حفل على الطريقة الكتانية، فامتنعت من مشاركتهم؛ لأن من شروط التيجاني المخلص (٢) أن لا يذكر مع أهل طريقة أخرى ذكرهم وأن لا يرقص معهم، ولكن الجماعة ألحوا علي وجروني جرا حتى أوقفوني في حلقتهم، فرأيت أفواها مفغورة من وجوه بعضها في لحية سوداء، وبعضها فيه لحية خطها الشيب، وبعضها أمرد ليس له لحية من الغلمان الذين لم يلتحوا بعد، وسمعت أصواتا تنبعث من تلك الأفواه، ليس لها معنى في أي لغة كانت بعضها آآآ، وبعضها آه آه آه، وبعضها أح أح أح .. فاستنكرت تلك الهيئة وقلت في نفسي: إن الله لا يرضى بهذه الحالة أن تكون عبادة له لبشاعتها، ثم ندمت على ذلك ندامة الكسعي (٣)

وقلت في نفسي: كيف يسوغ لي أن أنكر شيئا حضر مثله خاتم الأولياء


(١) الطريقة التيجانية طريقة صوفية أسسها أحمد بن محمد بن المختار، وقد عاش ما بين (١١٥٠ - ١٢٣٠ هـ) وولد في قرية عين ماضي بالجزائر وأنشأ طريقته التيجانية عام ١١٩٦ هـ في قرية أبي سمعون بفاس وأصبحت فاس هي المركز الأول لنشر هذه الطريقة في العالم، ومن بعض معتقداتها يزعمون أن مشايخهم يكشف عن بصائرهم وأن أحمد التيجاني قد التقى بالنبي لقاء حسيا ماديا، وأنه قد كلمه مشافهة، وأنه قد علمه صلاة الفاتح لما أغلق، وأن النبي أخبره أن المرة الواحدة منها تعدل قراءة القرآن ست مرات، ومن معتقداتهم أنهم يجيزون التوسل بالنبي وهذا من الشرك الصريح. انظر: «الموسوعة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة» (١/ ٢٨١ - ٢٨٤).
(٢) وصف الهلالي نفسه في غير كتاب من كتبه بهذا الوصف، فها هو يقول عن نفسه في «سبيل الرشاد» (٣/ ٩٢) عند مناقشة رجل له في وقت الظهر ومخاصمته له وشتمه إياه، قال: «فأخذت سبحتي وأنا يومئذ تيجاني مخلص في الطريقة أشد الإخلاص من فرط جهلي وشقائي، فوجهت سبحتي كالبندقية إلى خيمته طلبا للانتقام منه، فخاف خوفا شديدا، وانصرف، وفي ذلك اليوم ضلت له أحسن ناقة من إبله، فجاءني في الغد خاشعا ذليلا، وقال لي: يا سيدي محمد! إنك قطعت في خويدمك؛ أي انتقمت منه بلا رحمة … » إلخ ما قال …
(٣) هذا مثل مشهور، انظر قصته في: «مجمع الأمثال» (٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>