ولما أبان الله لي نور دينه … وأنقذني من طرق أصحاب خرقة
أولئك قوم بدلوا الدين بالردى … وقد مرقوا من هديه شر مرقة
وأبغضني الأقوام حين نبذتهم … وملتُ إلى قفو الكتاب وسنة
وقد قلبوا ظهر المجن وخشنت … صدورهم لي واستعدوا لمحنتي
وقد زعموا هجري وشتمي قربة … وكل جليس لي سيردى بسرعة
وقد جزموا أني أموت على الردى … وأخلد في النيران من أجل رجعتي
أماني حمق تضحك الشاكل التي … بواحدها سارت ركاب المنية
نبذتهم نبذ النوى وتركتهم … وهاجرت كي أحظى بسؤلي ومنيتي
وما لي ولي أو رفيق مصاحب … ولا ناصر إلا إله البرية
عليه اعتمادي لا على أحد سوا … هـ فهو قدير أن يجود ببغيتي
وما طلب المال الذي هو زائل … سوى بلغة لا بد منها لخلتي (١)
وهذه الحقيقة مسلمة لا شية فيها عند الهلالي، فها هو يقرر ويذكر أن أول داع إلى الإسلام تلبّد عليه أعداء الإسلام وتألبوا عليه، قال: «وهكذا كل داع يدعو إلى اتباعه في زمان غربة الإسلام» (٢).
ونعمة الدعوة إلى التوحيد والتزامه كانت عند الهلالي من أعظم النعم، فها هو يشكر الله عليها بقوله: «اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا، وأخرجتنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان» (٣).
ومن تمام شكر الهلالي نعمة الله عليه عند توبته من هذه الطريقة، أنه جهد في فضح أصحابها، وكشف سوءاتهم، وخصهم بتأليف مفرد (٤)، وكتب عنهم مقالات (٥)، وجرى ذكرهم في جلّ كتبه في معرض التحذير والتنفير، بل لم يقتصر.
(١) الدعوة إلى الله (ص ١٣٩).
(٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٥٨)، ويقول أيضًا فيه (٢/ ٧٧): «فالتوحيد الصحيح لا يقوم إلا على الحب في الله، والبغض في الله، والولاية الله، والعداوة لله». قلت: وتحقق الولاية والعداوة على التوحيد هو من أقوى آثار الإيمان الصحيح الذي تحلّى به صاحبنا الهلالي، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
(٣) «سبيل الرشاد» (٣/ ٩٢).
(٤) هو «الهدية الهادية». وسيأتي ذكره في ترجمته.
(٥) نشرها في جريدة «الحرية»، كذا قال في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٧٣ - ٧٤)!