أن تلك الأشياء قد حل فيها سر الألوهية، وهو ما يسميه المغاربة (بركة) فهذا السر عندهم يجوز أن يحل في كل شيء، ومتى حل في شيء وجب تقديسه وعبادته وأصبح يضر وينفع، فلو أن سادنا أخذ أحجارا من جبل وبنى بها قبة وضريحا على قبر، سواء أكانت فيه جثة أم لا، وسواء أكانت تلك الجثة جثة صالح أو طالح أو حيوان. فإذا وضع على ذلك الضريح تابوتا وستارا من حرير، وعلق المصابيح الثمينة والثريات، وفرش أرض القبة بالزرابي، وملأ جوها طيبا بالبخور وغيره، وتزيا بزي المشايخ بتفخيم العمامة وتكويرها، وإطالة اللحية وشعر الرأس، ولبس الثياب الفضفاضة، وأخذ يحكي حكايات تثبت أن ذلك المدفون له كرامات وأنه يقضي الحاجات يتهافت عليه عباد الأوثان، ويأتونه من كل مكان بما شاء من هدايا ونذور وشمع وبخور وثيران تخور، ومواسم يختلط فيها الرجال بالنساء والحابل بالنابل. وهذا أصل عبادة الأصنام والأوثان قديما وحديثا، وبعض المضلين من الذين يسمون أنفسهم أو تسميهم العامة علماء يزيدونهم ضلالا، فيسمون ذلك الشرك كرامات الأولياء، ويسمون كل وثن وليا، وينسبون ذلك الوثن إلى اسم نبي، كمقام النبي جرجيس في الموصل، والنبي بولس بقرب الموصل في خرائب نينوى، والنبي شيث في كركوك. والتحقيق أنه لا يوجد قبر نبي معلوم إلا قبر نبينا محمد ﷺ. وأما قبر الخليل إبراهيم فليس بمعلوم بالتعيين، إلا أنه دفن بقرب المكان المنسوب إليه في الأردن. ومن هذا القبيل ضريح النبي زكريا في قلب جامع بني أمية بدمشق، فإنك ترى المصلين يصلون وإلى جانبهم العابدين والعابدات والطائفين والطائفات بذلك الوثن المنسوب كذبا إلى ذلك النبي. ولو فرضنا أنه مدفون هناك ما جاز أن يتخذ قبره وثنا، ولا يبنى عليه، ولا يطاف به، ولا ينذر له، ولا يعبد بأي نوع من أنواع العبادة».
ولم تقتصر معرفته ودعوته لعابدي القبور والأنصاب، بل فصل في عبادة (الأشجار) و (الأحجار) و (المياه) و (الحمير)! وذكر بعض القصص التي وقعت له، ولنرخي عنان القلم للهلالي ليحدثنا في كتابه «الدعوة إلى الله»(ص ٢٠ - ٢٢) عن ذلك، قال وهو بصدد حديثه عن عبادة الأشجار: فقد حدثت من عهد بعيد، فقد ذكر ابن أبي شامة في كتاب «البدع»(١) له