سبيل الله والتكبير على كل شرف (١). وقد اقتبس بعض الجهال من المتصوفة تعذيب النفس من الدين الهندي الوثني، وقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه «تلبس إبلس» حكايات كثيرة في تعذيب المتصوفة أنفسهم بالجوع، زادوا فيها على نساك الهند الوثنيين أضعافًا كثيرة أذكر منها شيئًا يسيرًا، فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن الجوزي في الكتاب المذكور (ص ٢٠٠): «حكى أبو حامد الطوسي عن سهل - يعني ابن عبد الله التستري - قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبن مدة ثلاث سنين واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين».
ثم قال الهلالي:
«ولم يزل جهّال المتصوفة يأخذون هذه الضلالات عن عبدة الأصنام في الهند وعن رهبان النصارى إلى يومنا هذا، ومن ذلك السياحة التي يدعو إليها طائفة التبليغ المتبعين للشيخ محمد الياس الهندي وهم منتشرون في جميع أنحاء الدنيا، والركن الأعظم من طريقتهم هو ما يسمونه الخروج في سبيل الله، فإنهم يبذلون جهودًا عظيمة في الدعوة إلى هذا الركن وهم في ذلك مخلصون لطريقتهم وناجحون في عملهم، وكل داع مخلص ناجح على قدر إخلاصه يكون نجاحه سواء دعا إلى حق أو إلى باطل، وهذا الركن الذي يسمونه الخروج في سبيل الله وما يلزمه من التقشف في المعيشة هو بعينه السياحة التي تقدم ذكرها، ونهى عنها النبي ﷺ وهي بدعة محضة لم يفعلها النبي ﷺ، فإنه خرج إلى الطائف لدعوة أميرها ولم يكن معه إلا خادمه مولاه؛ أي عبده المعتق زيد بن حارثة، فلما دعا أمير الطائف ردّ عليه ردًّا قبيحًا وقعد له سفهاء الطائف في طريقه سماطين؛ أي صفين، ورموه بالحجارة حتى سال الدم من رجليه ﵊ ثم رجع إلى مكة، والقصة معروفة في السيرة (٢) ولم يخرج معه أحد من المسلمين من أهل مكة، وكذلك توجه إلى دعوة أحد رؤساء العرب وهو ابن عبد ياليل بن عبد كلال وحده، فرد عليه ردًّا قبيحًا فأصابه من الغم ما أذهله حتى أنه مشى في البرية مغمومًا محزونًا، فلم يشعر إلا وهو في قرن الثعالب فرفع بصره إلى السماء، فرأى سحابة وفيها جبريل ومعه ملك الجبال فسلم ملك الجبال على النبي ﷺ وأخبره أن الله تعالى أمره أن يفعل ما يأمره به النبي ﷺ، وقال له: إن
(١) انظر تخريجه في تعليقنا على (٣/ ٢٢٩). (٢) انظر التخريج في التعليق على الكتاب (٣/ ٢٣٢).