للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

لا تتبدل في كل زمان ومكان، فانظروا إلى أمم زمننا تروا كل أمة يعم فيها العدل والمساواة في الحقوق والواجبات تروها مرزوقة منصورة عزيزة الجانب، سواء كانت في الشرق أم في الغرب، مع اختلاف عقائدها، فإن الله تعالى إنما يعذب الأمم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على قدر ما بلغها من العلم، وأقيم عليها من الحجج، أما السعادة الكبرى التي تكون في العاجل والآجل فهي خاصة بمن آمن بالله ورسله واتبع من أناب».

وأخيرًا، لا بد من الإشارة ونحن نتكلم عن مادة الكتاب إلى أنه أورد فيه بعض الأمور المستغربة المستملحة، فلما قرر في (٤/ ١٦٢ - ١٦٣) أن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف، والعيون العمي، والأذان الصم ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينفع بالنذر والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه حتى إنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة، فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين». ثم ذكر قصة غريبة، قال: «يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع «لكنو» مدينة مشهورة بالهند، فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه:

في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجًا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة وجدنا فيها رجلًا ذا لحية سوداء جالسًا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة فسلمنا عليه فرد علينا السلام ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت: أنا، من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدأ بالآية التي طلبت أنا، فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا

<<  <  ج: ص:  >  >>