(إني لمع أبي (١) في المنزل حين أتاه رسول عثمان يدعوه، فقام يلبس ثوبه، ثم أتاه رسول ثان، ثم أتاه رسول ثالث، فانطلق، وانطلقت معه، فإذا عثمان جالس، وعنده المهاجرون وعيون الأنصار، في قدمة قدمها مع معاوية، فلما رأيتهم علمت أنه ليس مجلسي، فتنحيت ناحية، فتكلم عثمان، فعلمتُ أنه كان ينتظر أبي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:(إنكم نقمتم علي رجالًا استعملتهم بهذه الأعمال، فولوها من أحببتم، ونقمتم علي هذا الحمى، وإني نظرتُ، فرأيتُ المسلمين لا يستغنون عن إبل معدة لهم للنائبة تنوب، وللأمر يحدث، فحميتُ لها حمى، وإني أشهدكم أني قد أبحته، ونقمتم علي إيوائي الحكم بن أبي العاص، وإن رسول الله ﷺ قد كان يقبل توبة الكافر، وإن الحكم تاب، فقبلت توبته، ولعمري لو كانت ثمة بأبي بكر وعمر - رضي الله عنهكا - مثل رَحِمِه بي لآ وياه، ونقمتم عليّ أني وصلته بمالي، والله ما هو إلا مالي، أنشدك بالله يا طلحة! هل أخذتُ له من بيت مالكم درهما؟)، قال:(اللهم لا)، فقال معاوية ﵁:(إنكم معشر المهاجرين قد علمتم أنه ليس منكم إلا قد كان في عشيرته من هو أشرف منه ومن يقطع الأمور عليه، (بعث)(٢) الله رسوله؛ فأسرعتُم إلى الله، وأبطؤوا عنه، فسدتم عشائركم، حتى إنه ليقال:(بنو فلان رهط فلان، وإن هذا الأمر ثابت لكم ما استقمتم، فإني قد أراكم وما تصنعون، وإني والله لئن لم تتركوا شيخنا هذا يموت على فراشه ليدخلن فيكم من ليس منكم، فقال علي ﵁: (وما أنت وهذا يا ابن اللخناء (٣)؟!)، فقال معاوية ﵁: (مهلا أبا حسن! فو الله ما
(١) هو طلحة بن عبيد الله ﵁. (٢) تكررت هذه اللفظة في المخطوط مرتين. وفي هامش المخطوط كلمتان أو ثلاث كلمات، لم أتبينها. (٣) اللخناء: هي المرأة التي لم تُختن، وقيل: اللخن: النتن (النهاية ص ٨٣٢).