كما تحيرت في تفسير هذه الآية؛ لأن الناس من زمان الصحابة إلى يومنا هذا اختلفوا في تفسيرها، وأنا أستعين بالله وأختار القول بالذي أراه صحيحًا مطابقًا للأصول، وما أبرئ نفسي من الخطأ، فأقول وبالله التوفيق: أكثر المفسرين على أن (ما) موصولة، فمعناها: أن الشياطين كانوا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين اللذين أنزلهما الله في بابل بأرض العراق، يعلمان الناس السحر فتنة لهم للتمييز بين من يؤمن بالله ويطيع الله ويلتزم حدوده، وبين من اتبع هواه، وكفر بالله وعصى أمره، وكانا لا يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويخبراه بالعاقبة الوخيمة لمن يتعلم السحر المشتمل على الكفر، فإذا أبى إلا التعلم والعمل به، علماه، قالوا: ولا مانع أن يبتلي الله عباده بمثل هذا.
ثم حكى الدكتور محمد تقي الدين قول ابن جرير في الآية وأن (ما) نافية، واختار هذا القول، وتعرض لحديث الملكين هاروت وماروت وافتتانهما بالمرأة التي مسخت كوكبًا هو الزهرة، وبين أنه من الإسرائيليات، وأنه غير مقبول لمخالفته القرآن. ثم نقل من كتاب «التوحيد» وشرحه «تيسير العزيز الحميد»(باب ما جاء في السحر) برمته، وفيه بيان شيء من أنواع السحر، وعقب على ذلك بقوله:«قال محمد تقي الدين مؤلف هذا الكتاب: ومنه ما يسمى في هذا الزمان بعلم الرمل، وذلك أن الكاهن يضع رملًا أمامه وينكت في ذلك الرمل بأصبعه نكتًا كل نكتة فيها كحفرة صغيرة، ويجعلها أربعة أعمدة مبتدأة من الأسفل إلى الأعلى، ثم يسقط تلك العلامات اثنتين اثنتين مبتدئًا من الأسفل إلى الأعلى في الأعمدة الأربعة، ويترك الحفرة الأخيرة والحفرتين الأخيرتين فيتألف له شكل، وكل شكل له اسم، فلنفرض أنه أسقط الأعمدة الأربعة اثنتين اثنتين فبقي من كل عمود نقطة واحدة فيظهر شكل يتألف من عمود فيه أربع فقط، ويسمى هذا: الطريق، ثم يعيد العمل فيبقى مثلًا من كل عمود نقطتان أو حفرتان فيتألف منهما عمود فيه ثماني نقط أو حفر، ويسمى هذا الشكل الجماعة، ويستمر هكذا إلى أن يخرج ستة عشر عمودًا على طريقة الزوج والفرد ولكل شكل اسم يدل على معنى من المعاني، فهناك الطريق والجماعة كما تقدم، وهناك النصرة الداخلة والنصرة الخارجة، والأحيان الإنكيس والأحيان البارح.
وقد ذكر هذه الأشكال كلها صاحب «القاموس» وكتب صورها فَرَاجِعْه، فإذا فرضنا أن رجلًا أو امرأة جاء أحدهما إلى الكاهن الذي سمي الرمال وقال