للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

تنبيه: يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين، واضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهواء، وأثارت فتنًا وجلبت محنًا، وكم سجنت إمامًا، وبكت أقوامًا، وتشعبت فيها المذاهب، واختلفت فيها المشارب، ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة، المقتفون (١) لأثر الرسول وصحابته الكرام، فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه:

[فصل]

ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف، روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وكان من التابعين الأعيان -، قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك، القرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئًا، لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وهو القرآن في المصاحف، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢].

وقال تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]، والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف، كما قال النبي : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات (٢)، وقال أبو بكر وعمر: حفظ إعراب القرآن أحب


(١) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «المقتفين».
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧/ ٣٠٧) من حديث ابن مسعود، وفيه نهشل بن سعيد الورداني، متروك، ويروي عن الضحاك الموضوعات، وهذا من روايته عنه، وأخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٦٠)، وابن الأنباري في «إيضاح الوقف والابتداء»

<<  <  ج: ص:  >  >>