وكذلك من زاد على السنة، فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فإنه أيضًا مبتدع منكر للسنة، وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم - فهو ضال، كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله، وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله، فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه، هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن (١) السنة والجماعة.
وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة (٢) بدعة، نفيًا وإثباتًا، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل، فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به قديم، فهو ضال جاهل. ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع، بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه وإعرابه (٣)، كما دخلت معانيه، ويقال: وما بين اللوحين جميعه كلام الله، فإن كان المصحف منقوطًا مشكولًا أطلق على ما بين اللوحين جميعه إنه كلام الله، وإن كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، كان أيضًا ما بين اللوحين هو كلام الله، فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له، ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه» (٤).
وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما: القرآن حروف وصوت (٥)، وقال الآخر: ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك؟ فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس، ويخلطون الحق بالباطل، فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت، إن (٦) أراد بذلك.
(١) كذا في مطبوع «تفسير القاسمي»، وفي الأصل: «من». (٢) كذا في مطبوع «تفسير القاسمي»، وفي الأصل: «والشكل». (٣) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «بإعرابها». (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤٠١ - ٤٠٤). (٥) بعدها في مطبوع «تفسير القاسمي»: «وقال الآخر: ليس هو بحرف وصوت، وقال أحدهما: النقط التي في المصحف والشكل من القرآن». (٦) كذا في مطبوع «تفسير القاسمي»، وفي الأصل: «أي».