للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

أن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون (١) هو كلام الله، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرائيل سمعه من الله، والنبي سمعه من جبرائيل، والمسلمون سمعوه من النبي كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] فقد أصاب في ذلك.

فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرائيل أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فهو قول باطل من وجوه كثيرة، فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد، وإنه لا يتعدد ولا يتبعض، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية كان توراة، وبالسريانية كان إنجيلًا، فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحدًا، وهذا قول فاسد بالعقل والشرع، وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف، وإن أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات المسموعة من القرآن (٢)، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي أخطأ وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن النبي قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٣).

فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره، كما ذكر الله ذلك. وفي «السنن» عن جابر بن عبد الله أن النبي كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٤).

وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: «ليس بكلامي ولا كلام صاحبي،


(١) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «يقرأ للمسلمين».
(٢) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «القراء».
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سيأتي تخريجه (ص ٢٧٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>