للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكنه كلام الله تعالى (١).

والناس إذا بلغوا كلام النبي ، كقوله: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، إذ بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم، والله تكلم بالقرآن، بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، ولا مثل صوته، فإن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة، على ما نطق به الكتاب والسنة: من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه، تكلم بحرف (٣) وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبرائيل ولا غيره، وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام كلام البارئ، وكثير من (٤) الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا ويثبتهما جميعًا، فإذا نفى الحرف والصوت، نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديًا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، كما نفى أن يكون صوت العبد صفة الله، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا، لا فرق بين القديم والحادث وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذلك (٥).

الثاني، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل؛ حيث جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا لا حقيقة له عند التحقيق، وإذا أثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما، مع قوله: إن الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات، قديمة أزلية الأعيان. فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته فقال في نوع من الحلول


(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٤٤)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص ١٠٧ - ١٠٨)، وذكره البخاري تعليقًا في «خلق أفعال العباد» (ص ٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب.
(٣) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «بحروف».
(٤) سقطت من الأصل، وهي في مطبوع «تفسير القاسمي».
(٥) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «ذاك».

<<  <  ج: ص:  >  >>