والاتحاد، يفضي إلى نوع من التعطيل، وقد علم أن نفي الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته خطأ وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد، ومتفقون [على] أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ حروفه ومعانيه، وأنه ينادي عباده بصوته، ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القرآن أصوات العباد، وعلى أن مداد المصاحف ليس قديما (١)، بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين، مقروء بألسنتهم، محفوظ بقلوبهم، وهو كلام الله.
والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط؛ لأنهم كانوا عربا لا يلحنون، ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها، فإن كتبت بلا شكل ولا نقط جاز، وإن كتبت بنقط وشكل جاز، ولم يكره، في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وحكم النقط والشكل حكم الحروف فإن الشكل يبين إعراب القرآن، كما يبين النقط الحروف، والمداد الذي يكتب به الحروف، ويكتب به الشكل والنقط، مخلوق.
وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط، وبغير شكل ونقط، ليس بمخلوق، وحكم الإعراب حكم الحروف، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المنقوطة، والشكل والنقط لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المرسومة، فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام، بل القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله، معانيه وحروفه وإعرابه، والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد ﷺ والناس يقرؤونه بأفواههم (٢) وأصواتهم، والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله، وهو القرآن العربي الذي أنزله على نبيه؛ سواء كتب بشكل ونقط، أو بغير شكل ونقط، والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق.
والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد هو كلام الله منزل، غير مخلوق، والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين؛ لأن كلام الله مكتوب فيها،
(١) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «وعلى أنه ليس بشيء من أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديما». (٢) في مطبوع «تفسير القاسمي»: «بأفعالهم».