واحترام النقط والشكل، إذا كتب في المصاحف مشكلًا منقوطًا، كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين، كما أن حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين، ولهذا قال أبو بكر وعمر:«حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه»(١).
والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله، فلا يقال: بعضه كلام الله وبعضه ليس بكلام الله، وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى، فإنه أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦]، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣، ١٦٤].
فقد فرق الله بين إيحائه إلى النبيين وبين تكليمه لموسى، فمن قال:«إن موسى لم يسمع صوتًا، بل ألهم معناه - لم يفرق بين موسى وغيره»(٢) اهـ. المقصود نقله منه.
قال الإمام عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني في كتاب «الحيدة» حين ناظر بشرًا المريسي ومن معه من المبتدعة القائلين بخلق القرآن: «وناديت بأعلى صوتي مخاطبًا لابني وكنت قد أقمته بحيالي عند الأسطوانة الأخرى، وقلت: يا بني ما تقول في القرآن؟ فقال: أي أبت! كلام الله منزل غير مخلوق، فلما سمع الناس مقالتي وكلامي لابني وجوابه لي هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا اليسير من الناس خوفًا على أنفسهم، وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يسمعونه من قبل، وظهر لهم ما كانوا يكتمونه، فلم يستتم من ابني الجواب حتى جاء أصحاب السلطان، فاحتملوني وابني، فأوقفونا بين يدي عمرو بن مسعدة، وكان جاء (٣) ليصلي الجمعة، فلما نظر إلى وجهي، وكان قد سمع كلامي
(١) سبق تخريجه. (٢) انظر: «تفسير القاسمي» (٥/ ٦٣٥ - ٦٤٢)، و «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥٨٢ - ٥٨٨). (٣) في مطبوع «الحيدة»: «قد جاء».